آخر تحديث: 17 / 11 / 2018م - 10:42 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الإمام الصادق (ع) وبيان العقائد الحقة

احتدم في عصر الإمام الصادق الجدال والحوار والنزاع حول عدد من المسائل الكلامية والعقائدية، خصوصاً في مسألة التوحيد، ومسألة القضاء والقدر، ومسألة الجبر والتفويض وغيرها من المسائل العقائدية التي كثر حولها النزاع بين مختلف المدارس العقدية والفكرية.

وقد تصدى الإمام الصادق لتوضيح رأي مدرسة أهل البيت حول مختلف القضايا الكلامية، والرد على التيارات المنحرفة، ومواجهة الغلو والغلاة، وتحذير الناس من الانخداع بأصحاب الأفكار المنحرفة.

وقد قام الإمام الصادق ببيان العقائد الحقة بشكل جلي وواضح، مستنداً في بيانه على القرآن الكريم، وما ورد عن الرسول الكريم، ورد جميع الشبهات التي كانت تثار حول آراء مدرسة أهل البيت في العقائد.

وقد بَيَّنَ الإمام الصادق مجموعة مهمة من المسائل العقائدية، ومنها:

أ - توحيد الله عز وجل:

كان الملحدون والزنادقة يثبرون الكثير من الشبهات حول توحيد الله عز وجل، وكان من أبرزهم عبد الكريم بن أبي العوجاء الذي كان يزعم أنه لا خالق ولا مدبر لهذا الكون، وقد طرح المفضل بن عمر الجعفي الكوفي إشكالات ابن أبي العوجاء على الإمام الصادق، فأجابه الإمام بأدلة علمية قوية، وأملى على المفضل في أيام متعددة رؤيته عن التوحيد، وقد صدر ذلك في كتاب بعنوان «توحيد المفضل» وهو من أهم الكتب في العقائد، وبيان مسألة التوحيد بشكل علمي، وبأدلة منطقية مقنعة، وهو من أكثر الكتب العقائدية استيعاباً وشمولاً للأدلة الحسية والوجدانية في مسألة التوحيد.

وقد أشار الإمام الصادق في إثبات وجود الله تعالى إلى النظام الدقيق للكون، وهو دليل حسي ملموس على عظمة الخالق. كما أن خلق الإنسان الذي هو من أعظم المخلوقات في حسنه وجماله كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ[1]  كدليل حسي على عظمة الخالق، وقد تحدث الإمام الصادق بصورة موسعة عن تكوين الإنسان، وما فيه من أجزاء وأعضاء دقيقة تدل على وجود الخالق القادر العليم.

ب - وحدة واجب الوجود:

كان بعض الزنادقة يرون تعدد الآلهة، وقد فنّد الإمام الصادق شبهة زنديق كان يرى ذلك، فقال للزنديق: «لا يخلو قولك: إنهما اثنان. من أن يكونا قديمين قويين أو يكونا ضعيفين أو يكون أحدهما قوياً والآخر ضعيفاً، فإن كانا قويين فلم لا يدفع كل واحد منهما صاحبه ويتفرد بالتدبير، وإن زعمت أن أحدهما قوي والآخر ضعيف ثبت أنه واحد كما نقول للعجز الظاهر في الثاني: وإن قلت: إنهما اثنان لم يخل من أن يكونا متفقين من كل جهة أو مفترقين من كل جهة، فلما رأينا الخلق منتظماً والفلك جارياً واختلاف الليل والنهار والشمس والقمر دل صحة الأمر والتدبير وائتلاف الأمر على أن المدبر واحد، ثم يلزمك إن ادعيت اثنين فلابد من فرجة بينهما حتى يكونا اثنين فصارت الفرجة ثالثاً بينهما، قديماً معهما، فليزمك ثلاثة فإن ادعيت ثلاثة لزمك ما قلنا في الاثنين حتى يكون بينهم فرجتان فيكون خمساً، ثم يتناهى في العدد إلى ما لا نهاية في الكثرة» [2] .

وبذلك أثبت الإمام الصادق بالأدلة القوية وحدة واجب الوجود، وبطلان تعدده، ثم إن القول بتعدد الآلهة ينتهي إلى التسلسل، وهو ما لانهاية له، كما يستلزم اختلال نظام الكون، وفساد السماوات والأرض، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ[3] .

ج - أمر بين أمرين:

دارت الكثير من المعارك الكلامية بين المدارس والتيارات الكلامية المختلفة حول مفهوم الجبر، ومفهوم التفويض، حتى تحول الأمر إلى مدرسة عقائدية تسمى «المجبرة»، ومدرسة عقائدية تسمى «المفوضة»، وفي ظل هذا الانقسام بين مختلف المدارس الكلامية يومذاك، أوضح الإمام الصادق رؤية أهل البيت حول هذا الموضوع الهام قائلاً: «لا جبر ولا تقويض، بل أمر بين أمرين» وعنى بذلك: «أن الله تبارك وتعالى لم يجبر عباده على المعاصي ولم يفوض إليهم أمر الدين حتى يقولوا فيه بآرائهم ومقائسهم[4]  فإنه عز وجل قد حدَّ ووظف وشرع وفرض وسن وأكمل لهم الدين، فلا تفويض مع التحديد والتوظيف والشرع والفرض والسنة وإكمال الدين» [5] .

وهذا يعني إن الإنسان مطالب بإتيان الأعمال الصالحة، وهو قادر على ذلك، وقد أمره الله عز وجل بذلك، أو حببه إليه، كما نهاه عن فعل المعصية، مع قدرة الإنسان على فعلها، وهو مسؤول عن تصرفاته وأفعاله، وسيثاب إن عمل الصالحات، وسيعاقب إن فعل المعاصي وارتكب الموبقات.

[1]  سورة التين، الآية: 4.

[2]  التوحيد، الشيخ الصدوق، دار المعرفة، بيروت - لبنان، ص 243 - 244.

[3]  سورة الأنبياء، الآية: 22.

[4]  في البحار: ومقائيسهم.

[5]  التوحيد، الشيخ الصدوق، دار المعرفة، بيروت - لبنان، ص 206.