آخر تحديث: 15 / 7 / 2018م - 11:39 م  بتوقيت مكة المكرمة

الفتيان غادروا الكهف... ماذا عنّا؟

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

انتهت قصة «فتية الكهف» في تايلاند بنهاية سعيدة.. بعد أن حبس العالم أنفاسه على مدى 17 يوماً يراقب مأساتهم. كانت القصة نموذجاً لقوة الإعلام وقدرة الصورة، على التأثير، وحشد التضامن الدولي، القصة كانت إنسانية ومثيرة، ولكن حضور الكاميرا والمراسلين ساهم في إعطائها بعداً درامياً، أسهم في لفت الاهتمام نحوها. تولى عملية الإنقاذ 90 غواصا محترفا، 40 من تايلاند، و50 غواصا أجنبيا، وبدأوا العملية في سلسلة الكهوف الغارقة في مياه الفيضانات، حتى تمكنوا من إنقاذ الفتيان جميعاً، كان العالم يشاهد ويتابع باهتمام محنة الفتيان، حتى خروجهم من الكهف.

للكهف رمزيته، وللفتيان تعبيرهم العاطفي، وللقصة بعد ملحمي: لقد مكثوا في الكهف 17 يوماً مستيقظين، يتضورون جوعاً، ويرقبون الموت البطيء، مأسورين بالعجز وقلة الحيلة وطغيان الماء، وانسداد السبل، والخوف من الفيضان القادم لاجتياحهم، أول ما بدر للجهات التي أسعفتهم أن يتم «تأهيلهم» جسدياً ونفسياً، حتى يتأقلموا مع عالمهم الجديد..

قصة الفتيان هذه تذكرنا بأهل الكهف، وهم مجموعة من المؤمنين المسيحيين الذين تعرضوا للاضطهاد الديني في زمن الإمبراطور الروماني المتعصب «دقيانوس» الذي حكم بين 249 - 251 ميلادية، هؤلاء لجأوا إلى كهف ناموا فيه ثلاثمائة وتسع سنوات، تغير خلالها العالم الذين تركوه، وعندما استيقظوا في عصر الإمبراطور المسيحي الصالح «تيدوسيوس» الثاني، كانت البلاد قد عادت للتوحيد، وأعيد الاعتبار للمسيحية، ولكنهم وجدوا أنفسهم خارج سياق الزمن الذي يعرفونه، بما يمثل من وشائج نفسية وعاطفية، لقد انتصرت نظريتهم الدينية وأصبحوا آمنين بعد خوف، ولكنهم لم يتمكنوا من العيش في زمان متقدم عن عصرهم مئات السنين، كانوا مشدودين للماضي الذي لا يعرفون سواه، وإلى نسيج العلاقات العاطفية التي تربطهم بعالمهم القديم، وحين وجدوا أنفسهم في زمان آخر استوحشوا منه واسترهبوا البقاء فيه وهيمنت عليهم مشاعر الغربة وسريعاً استسلموا للموت.

شكلت قصتهم مثالاً لصراع الإنسان مع الزمن، هذا الصراع كان الثيمة التي اشتغل عليها توفيق الحكيم في مسرحيته «أهل الكهف» التي عرضت عام 1933، فالأديب المصري الكبير يركز في سرده المسرحي لقصة أهل الكهف على أن الفتيان الذين عادوا للحياة بعد ثلاثة قرون وجدوا أنفسهم في زمن لم يألفوه، تقطعت فيه أوصال العلاقات التي تربطهم بالناس والمجتمع، وقد كانت حياتهم مرتبطة بالعالم الذي كانوا ينتمون إليه، وقد انقضت أعمارهم فعلاً يوم غادروا ذلك العالم، وانتابهم في عالمهم الجديد الشعور بالغربة والوحشة رغم قوة السلطة التي أصبحوا يتمتعون بها، ففضلوا مغادرة المشهد والرحيل..

الفتيان التايلانديون ذكرونا بأهل الكهف الذين نعرف سيرتهم، أعادوا لنا التساؤل من جديد: هل يمكن للإنسان أن يعيش خارج زمانه..؟، أن يتقدم عصره أو يتأخر..؟ فالزمان مسرح كوني تدور على خشبته الأحداث. وبالنسبة لأهل الكهف فإن المرحلة التي استيقظوا فيها كانت هي «المستقبل» للعالم الذي غادروه، ومع ذلك لم يتأقلموا معه، فما بالك بأولئك المشدودين طوعاً للماضي والذين جعلوا من أنفسهم ضيوفاً دائمين على موائد التاريخ، كيف يمكنهم أن ينتجوا وعياً صحيحاً منسجماً مع عالمهم ومحيطهم وهم مقيدون بسلاسل الماضي يعيشون في كهوفه ويتوارثون إشكالاته وتصوراته.. لقد غادر الفتية الكهف بعد عناء، فكيف يختار أحد أن يعود للكهف من جديد..؟!.