آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 1:49 م

خليج العمالة الوافدة

سكينة المشيخص * صحيفة اليوم

عمليات التحديث والتغيير في المجتمعات لا تقوم بمعزل عن الموروث بل تنطلق منه، وذلك هو المرادف الموضوعي للحفاظ على الأصالة الاجتماعية والهوية الوطنية، وذلك لأن نسف الماضي واستحداث قيم جديدة عملية غير سليمة ومرفوضة من المجتمعات كافة، وهي أشبه بالفيروس الذي ينخر الكيان المجتمعي، وفي هذا السياق أتذكر ما صرح به منذ فترة مسئول خليجي بأن العمالة الوافدة خطر كبير وليس عاديا وأنه يستشعر خطورة الوضع من حيث تأثير العمالة في الخليج من عدة نواح أمنية واقتصادية واجتماعية، وفي الهوية الوطنية، وعندما أطلعت على نسبة العمالة في الخليج وجدت أنها في الإمارات 80%، وقطر 70% والكويت والبحرين أكثر من 55%، ونحن رحمنا الله بأن كنا في ذيل القائمة بنسبة 31% تعادل 8.42 مليون عامل أجنبي.

بداهة ذلك ينطوي على خلل بنيوي في التركيبة السكانية التي تعيش في نطاق جغرافي واحد، ويتبع ذلك تلقائيا خلل ديموغرافي، فأغلب هذه العمالة لا تبقى لسنة أو سنتين أو حتى خمس وإنما يمتد بها المقام الى عقود وربما حتى وفاتها، ما يعني أنها أصبحت جزءا من النسيج الاجتماعي الخليجي، وبالتالي فإن التأثير المتبادل مؤكد، وكلما ارتفعت النسبة تصبح الغلبة للعمالة الأجنبية في تأثيرها على القيم الاجتماعية والأخلاقية والمدنية الخليجية، ذلك يعني أيضا أننا تحت رحمة استعمار اجتماعي ناعم يفرض فيه الوافد المستعمر قيمه وفي مرحلة لاحقة قواعده وقوانينه، فالقوانين المحلية الوطنية لا بد وأن تتأثر بقواعد العمل الدولية الى الحد الأقصى وربما تكييفها حسب المتغير الوافد باعتبار درجة تأثيره العالية على المجريات الاقتصادية ونظام وجوده في بلدان الخليج.

فرض القيم والقواعد الأجنبية بحكم الكثافة الوافدة أمر واقع نعيشه، غير أننا لا نعترف به أو نتعامل معه بالجدية اللازمة، ولننظر الى المتغير الأخلاقي والسلوكي في الجريمة التي تناولتها وسائل الإعلام مؤخرا ونجد تأثير الأمر الواقع فيها ملموسا الى حد التسليم بنتائجها، حيث تعرضت فيها فتاة سعودية الى الاغتصاب من مقيم باكستاني عندما كانت في الرابعة عشرة من عمرها، فكانت ضحية رحلة من الغربة امتدت لعشرين عاما بعيدة عن أرضها وذويها بعد أن أخذها معه الى دولته بجواز سفر مزور ومن ثم الزواج منها، والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا نترك هذه العمالة تقوض البنية المجتمعية وتضخم ملف البطالة فتأكل رغيفنا وتفكك مجتمعنا ونحن نتفرج ومسئولونا ينظرون وكأن القضية لا تعنيهم؟ وكلما نادينا بترحيلهم ليس هناك من مجيب ونحن نستشعر الإحباط منهم على كافة الأصعدة خاصة أن بعضهم يعملون في وظائف باتت حلما لكثير من السعوديين، فهناك مواطنون يشعرون بالذل لكون مديره في العمل غير سعودي ما يشعره بالغربة في وطنه، عدا كون كثير منهم يسعون فعلا لعملية إذلال للمواطنين السعوديين، بعد أن تضخمت فيهم الأنا فأصبحوا الناهي والآمر، والسؤال هنا.. هل سوف استيقظ ذات يوم لأرى دول الخليج تحمل هوية غير خليجية ومحتلة ثقافيا من هؤلاء؟

بصدق أعتقد أن هناك تغيرات اجتماعية كبيرة صنعها الوافدون وعملية تشويه في البنية المجتمعية تحتاج منا الى دراسات طويلة المدى لاستعادة التركيبة الحقيقية لمجتمعنا لأننا في مأزق تربوي وثقافي واقتصادي بسببهم حتى وإن رحل آخر وافد فقد تعمقت الأزمة وتحتاج لدراسة احتواء الوافدين «contaiment» في إطار الحاجة التنموية المجردة والاحترافية بحيث يضعف أي تأثير اجتماعي لهم لنأمن الاختراق والسقوط في فخ متغيراتهم.