آخر تحديث: 16 / 10 / 2018م - 8:19 م  بتوقيت مكة المكرمة

من مذكراتي - امواتٌ يعودون

يذكرنا الزمن بما كانَ فيه وأيامُ الحج تحمل من الذكرياتِ أسفاراً.

غابت شمسُ عرفة وركبنا حافلةً صفراءَ لا غطاءَ فوقها، مركبٌ خشنٌ حسدت فيه النساءَ على نعومةِ المركب وقصر الإقامة. تزاحمت الحافلاتُ على الفرارِ من عرفة تاركةً خطايا الحجاج على الصعيد، أصواتٌ وغبارٌ يعتليانِ المشهد. انتظرنا ساعاتٍ قبل أن تدور عجلةُ الحافلة في رحلتها نحو مزدلفة. مسافةٌ قصيرةٌ في الأميال وطويلةٌ في الساعات قبل أن تختفي تلك الفوضى ويحل محلها قطارٌ سريعٌ يأخذك إلى مزدلفة في دقائق وراحة.

طال الليلُ ووصلنا مزدلفةَ بعد منتصفه. تعب من في الوادي وناموا. بعضهم جائع يأكل وآخرونَ يبحثونَ عن حصاً يرمونَ بها شيطانَ خطاياهم يومَ غدٍ العيد. نظرتُ إليهم من فوقِ الجسرِ وقلت لن أنامَ ولن آكلَ هكذا ولكن دقائقَ بعد وصولنا كنتُ أأكل مثلهم وألملم إحرامي من تحتي وأنام فوقه والحصى. النفسُ إن عودتها الخشونةَ خشنت وإن عودتها الليونةَ لانت، لكنَّ ما حصلَ كان مشهداً لا ينسى!

نامَ الحجاجُ تقريباً كلهم. تنظر إليهم أحياءَ في مشهدِ الموتِ الجسماني والحياةِ الروحانية، لا حراكَ إلا القليل. مئاتُ الآلافِ وكأن الله قال لهم موتوا. ثوانٍ أرعدت السماءُ وأبرقت وجاءَ المطرُ ديمةً. قامَ كُلُّ الناسِ من رقدتهم وقوفاً وانبعثوا أحياءً. واعجباه، هكذا يقوم الناسُ من قبورهم! ملابسَ بيضاءَ اتسخت من ترابِ القبرِ يحملونَ أعمالهم. لا تعرف الغنيَ من الفقير أو الحاكمَ من المحكوم أو العالمَ من الجاهل، مَنْ مِنْ مشرقِ الأرضِ ومَنْ مِنْ غربها. كيف تفرق بينهم وهم تركوا عناوينهم في الدنيا. لم يطل مطرُ الحجازِ طويلاً، انكشفت السماءُ وكأنها لم تمطر. عاد الناسُ للرقودِ في ثوانٍ وكأن عاصفةً أماتتهم، هكذا يموت الأحياء!

المشهدُ في هذه السفرة كان فصلاً من القيامة، يعرف الفردُ فيه ذاته التي تموتُ وتحيا ولا تدري أينَ ومتى. لكٌلٍّ منا عُمْرٌ من رقمينِ من السنين أو أكثر قليلاً إن حالفه القدرُ وبعدهما يفقد كُلَّ صفاته المكتسبة بين الرقمين ويعود بما كسب من أعمالٍ ويقول ياربِّ هذا كل ما عندي من الزادِ القليلِ أيكفي؟ هلا جعلتَ فيه البركةَ ويكفي.

مستشار أعلى هندسة بترول