آخر تحديث: 2 / 12 / 2020م - 12:27 ص

الفرات

محمد العلي * صحيفة اليوم

رأيته وهو يكاد يخرج من ضفتيه ويسير في الهواء الطلق. وكنت مثله يكاد الشباب يدعني دعا إلى الركض على الماء. أما الصبايا فقد وصفهن عمر بن أبي ربيعة:

فكن إذا أبصرنني أو سمعن بي

سعين فرقعن الكوى بالمحاجر

كان الفرق بيني وبين الفرات أنني أتقلب في حدائق الشباب أما هو فكما قال الجواهري:

بكر الخريف فراح يوعده

أن سوف يرعده ويزبده

وكأن من زبد الرمال على

أمواجه طفلا يهدهده

وكان العراق «كله» شباباً: بشراً وأرضاً وسماءً واستقراراً ورفاهية كما وصفها ابن الرومي:

ورياض تخايل الأرض فيها

خيلاء الفتاة بالأبراد

منظر معجب تحية أنف

ريحها ريح طيب الأولاد

لم يكن المرء يسأل الآخر حين يجيء طالباً يد ابنته: ما هو مذهبك؟ ما هي ثروتك؟ ما هي أرضك؟ كانت الأرض متبرجة «تبرج الأنثى تصدت للذكر» كما قال ابن الرومي. أما البشر فيكادون يكونون «كأسنان المشط».

وجاء الخريف الذي عبر عنه السياب أصدق تعبير وأمضه. خريف سحق الأرض، وضحك على دجلة، واستهزأ بالفرات، وخريف في البشر دمر التاريخ كله، وبعده المجتمع. دمره التاريخ من جلجامش مروراً بحمورابي والعهد الذهبي لعلوم العربية التي نشأت في البصرة وفي بغداد، وأزهار الشعر وتجديده من عروة بن حزام إلى مظفر النواب في شعره الشعبي.

ما هو السبب يا ترى في الانهيارات المتلاحقة والممتدة حتى يومنا هذا؟ السبب هو سحق الإرادة الاجتماعية والفردية منذ أمد بعيد وحتى استيلاء الأتراك على مقدرات الخلافة في بغداد منذ عهد المتوكل «861 - 822م» الذي مد لهم العنان حتى قتلوه. وبعد كل الكوارث التي مرت بها بغداد من المتوكل حتى صدام حسين كان الأتراك الذين لا يختلفون عن المغول، فهم كما يقول رجب طيب أردوغان: «نحن سلاجقة» وعلى كل حال فقد عبر المتنبي عن ذلك العهد فقال:

وإنما الناس بالملوك وما

تفلح عرب ملوكها عجم

لا أدب عندهم ولا حسب

ولا عهود لهم ولا ذمم.

وقال:

إذا كان بعض الناس سيفاً لدولة

ففي الناس بوقات لها وطبول.

كاتب وأديب