آخر تحديث: 19 / 11 / 2018م - 10:16 م  بتوقيت مكة المكرمة

حول المسافة بين الدين والمؤمنين

الدكتور توفيق السيف * الشرق الأوسط


الصديق د. مسفر القحطاني من أكثر علماء السعودية اهتماماً بفقه المقاصد. وله في هذا الباب عدة كتب وعشرات المقالات، التي تؤكد اهتمامه العميق بتجديد الفكر الديني، وتمرسه في البحث والاستدلال. وقد لفت نظري في مقالته المعنونة «المتحدثون باسم الدين وهيبة الأوهام» «جريدة ﴿الحياة 1/ 9»، ما ظننته إلحاحاً على الفصل بين الدين والتدين، بين النص المقدس وتطبيقاته في حياة المؤمنين.

ركز القحطاني نقده على ما سماه «المتاجرة بالمقدسات». وقال إن كل الأديان عانت من هذا. لكنه ميز بين الأديان القديمة التي ضاعت نصوصها الأصلية أو تغيرت، بسبب اجتهادات مفرطة، أدت لاستثمار المقدس في قضايا دنيوية بحتة، وبين الإسلام الذي احتفظ بنصه الأصلي، رغم أن الأفهام والاجتهادات التي قامت حوله، قد ذهبت به كل مذهب.

المؤكد أن كلاً منا قد قرأ أو سمع يوماً، القول الذي فحواه أن الإسلام ليس مسؤولاً عن أخطاء المسلمين، وأن ما يعاب عليه، ينصرف إلى فهم المسلمين له وتطبيقهم الناقص لتعاليمه.

لا خلاف من حيث المبدأ على وجود مسافة بين النص الديني، وفهم الناس له. هذا الفهم هو خلاصة العوامل المؤثرة في تفكير البشر في لحظته. وتتضمن مستخلصات تجربتهم الثقافية، وظرفهم السياسي والاقتصادي، وتوقعاتهم ورغباتهم ومخاوفهم. وهي تندرج جميعاً تحت ما سماه الفيلسوف المعاصر هانس جورج غادامر «الأفق التاريخي».

نحن إذن نتفهم حقيقة وجود مستويين: نص مجرد وسابق على كل فهم، ونص تحول إلى مفهوم وتطبيق في الحياة اليومية للمؤمنين، ونسميه عادة «التدين» لتمييزه عن «الدين»، الذي ننسبه إلى المستوى الأول.

لطالما سألت نفسي عن صحة الربط بين هذه الحقيقة، والإلحاح على اتخاذها مبرراً لكل عيب، كلما أثير نقاش حول حكم شرعي، أو صحة رواية، أو ملاءمة اجتهاد ما لمعايير العقل أو مستخلصات العلم. هذا التبرير ينطوي ضمنياً على ادعاءين، كلاهما مشكل: الأول أن فهم وتطبيق التعاليم الدينية جانب الصواب في أحيان كثيرة، بل ربما وصل في بعض الأحيان إلى المتاجرة بالمقدس، كما أشار د. مسفر. أما الادعاء الثاني فهو أن كثرة الخطأ في فهم الدين وتطبيقه، قد يشير إلى أنه في الأساس غير قابل للفهم والتطبيق الكامل.

أقول إن كلا الادعاءين مشكل. لأن القبول بالأول يجرد حياة المؤمنين من أي قيمة، ويضعهم على الدوام في الطرف المقابل لدينهم. أما القبول بالثاني فيجرد الدين من دوره دليلاً لحياة أتباعه، ويحوله إلى يوتوبيا يستحيل إنجازها في الحياة الدنيا مهما اجتهدنا.

ليس لدي حل معقول لهذا الإشكال. لكني لاحظت أن دعوى الفصل بين الدين والمتدينين، تتكرر غالباً في سياق الإنكار على من جادل نصاً أو أنكر صحته أو اعترض على فهمه أو سلامة الاعتماد عليه في وضع أحكام شرعية. ونعلم أن لدينا كثيراً من النصوص التي تعارض عرف العقلاء أو نتائج العلم أو نتائج التجربة التاريخية.

والذي أرى أن علينا تقبل النقاش في النص، بدل الإفراط في إحالة المشكلات إلى أخطاء المؤمنين أو فهمهم الناقص. مجادلة النص لا تعني بالضرورة نقضه أو رفضه. فقد يكون من ثمارها استنباط مفهوم جديد أو رؤية مختلفة، لم تتضح سابقاً. وفي كل الأحوال، فإن آراء الناس وأفهامهم محترمة كرأي علمي مرهون بزمنه.

لكن احترامها لا يرفعها إلى مستوى المقدس أو اليقيني.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.