آخر تحديث: 15 / 10 / 2018م - 2:28 م  بتوقيت مكة المكرمة

أي دور للإيمان في عالم اليوم؟

الدكتور توفيق السيف * الشرق الأوسط


«مركز الملك عبد الله للحوار بين الأديان» في العاصمة النمساوية فيينا، واحد من أهم المبادرات التي أطلقتها السعودية في السنوات الأخيرة، في سياق تجسير العلاقة بين أتباع الأديان على المستوى الدولي، وتعزيز القبول بالتعددية الدينية، والتصدي للتعصب وتبرير العنف والاضطهاد باسم الدين.

هذه المبادرة تستحق الإشادة. وكذا كل مبادرة هدفها تشجيع مجتمعات العالم على التلاقي والتعاون في أعمال الخير التي تعود على البشرية كلها.

خلال النصف الثاني من القرن العشرين، شهد العالم مبادرات كثيرة تتبنى مبدأ الخير المشترك للإنسانية ككل، لكنها جميعا تلاشت، مع انهيار النماذج الآيديولوجية ذات الطابع الأممي، في نهايات القرن. وحين تنامى النقاش حول فكرة «العولمة» في تلك الحقبة، تخيلها بعضنا بديلا محتملا عن المعتقدات الأممية. لكننا نعلم الآن أن فكرة «العولمة» انصرفت بشكل شبه كلي إلى دمج اقتصاديات العالم، فيما يشبه سوقا كونية واحدة. ولعلها لهذا السبب أو غيره، أهملت الجوانب التي ليس لها عائد تجاري مباشر. هذا على الأقل ما يبرر - مثلا - تعثر الاتفاقيات الدولية حول البيئة الكونية، وأبرزها اتفاقية باريس للمناخ العالمي سنة 2015.

الاصطفافات الحادة في السياسة المعاصرة، تكشف أن عالمنا يشهد انبعاثا مستجدا للاتجاهات الانغلاقية والتعصب. من ذلك مثلا أن النفوذ السياسي لأحزاب اليمين المتطرف، يزداد قوة في جميع الدول الأوروبية. هذه الظاهرة تبرر أحيانا بالأزمات الاقتصادية. وربما - لهذا السبب - تعتبر ظرفاً مؤقتاً. لكننا لا نعرف المدى الزمني الذي يتوجب على العالم أن يتعايش خلاله مع هذه الاتجاهات. ولا نعلم مدى التأثير الذي ستتركه على سياسات بلدانها في المدى المتوسط والطويل.

في ظرف كهذا، يتوجب على المهتمين بقيمة الخير المشترك للبشرية، أن يبحثوا عن أي وسيلة تُبقي هذه القيمة حيّة وفاعلة. إن مبادرات مثل الحد من التغير المناخي، والوقاية من التعصب وتعزيز التفاهم بين الشعوب، تحتاج بالتأكيد إلى دعم حكومي، حتى تقف على أقدامها، لكن من المستبعد أن تبلغ غاياتها، من دون المشاركة الفاعلة والمخلصة للمجتمعات المحلية في كل بلد.

في هذه النقطة بالتحديد، تبرز أهمية الشراكة بين أهل الأديان والقادة الروحيين على امتداد العالم. في اعتقادي أن كل واحد من هؤلاء قد واجه في يوم ما، أسئلة من نوع؛ أي دور للإيمان في عالم اليوم؟ وما الذي يمكن للإيمان أن يحققه للبشرية كلها؟ وهل نستطيع العبور من حدود الشرائع إلى فكرة «عباد الله»، التي تعني الخلق كافة؟

ما زال الإيمان عاملاً مؤثراً في حياة غالبية سكان المعمورة. دعنا نفترض أن المؤمنين على امتداد العالم، استوعبوا حقيقة أن تغير المناخ خطر على حياة أجيالهم الآتية، وأنهم مطالبون - بمقتضى إيمانهم - بالمشاركة في الحيلولة دون الكارثة الكونية قبل أن تقع، لا قدر الله. لو حصل هذا فإن جميع الناس سيبادرون من تلقاء أنفسهم، كل في موقعه، لأداء دوره في درء هذا الخطر.

هذا المثال نفسه قابل للتطبيق في قضايا مثل التعصب والانغلاق والصراعات الأهلية ومكافحة الفقر... إلخ.

هذه الأمثلة تكشف حقيقة أن نماذج مثل «مركز الملك عبد الله للحوار بين الأديان» لا ينبغي أن تبقى مقيدة بالإطارات الدبلوماسية وحدودها الضيقة. ثمة حاجة في العالم، وثمة فرصة كي يلعب المركز دورا رياديا في جعل الإيمان جسرا للسلام والتقدم على المستوى الكوني.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.