آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 12:44 م

جهود حقوقية مبتورة

سكينة المشيخص * صحيفة اليوم

حقوق الأطفال ليست نظامًا شفاهيًا يحتفظ به الآباء وإنما مكتسبات إنسانية ودينية وأخلاقية مسؤول عنها النظام الاجتماعي ومؤسساته قبل الآباء، بحيث لا يتعامل بعضهم بصورةٍ انتقائية أو بسوء فهم لتلك الحقوق وتذهب بها مع رياح العنف والتفكك الأسري أو السوء الأخلاقي لأحد الوالدين أو كليهما، وذلك ما نقرأ عنه أو نسمع به في كثير من حالات العنف الأسري التي يكون ضحيتها أطفال لا يقوون على التعبير الصريح عن أنفسهم أو تصرّفاتهم ويخضعون لسوء تربوي عقيم ينتهي بهم نهايات مأساوية، كما حدث مؤخرًا في قضية الطفلة لمى التي قضت جرّاء تعذيب والدها لها، والتي شكّلت قضيتها صدمة للرأي العام السعودي، وبغض النظر عن كون والدها داعية، ويفترض أن يتمتع بسقف أخلاقي أعلى، فإن مجرد التفكير في كون الطفلة في هذا العمر المبكر وتحتمل كل هذا الحد من التعذيب اللا إنساني يجعلنا نطرح استفسارًا واحدًا وهو: ما هي الجريمة التي يمكن أن تُرتكب في هذا العمر ويستحق عليها كل هذا العقاب؟

مثل هذه القضايا ليست بالضرورة نتاج فراغ مؤسسي، فما يحدث داخل جدران البيوت ليس من الاختصاص المباشر للمؤسسات الحقوقية أو الحقوقيين الذين يتعاملون مع نتائج وتقديرات مستقبلية ليس لديها الصلاحيات للتدخّل في المشاكل الأسرية ما لم يأتها طلب الدعم الأسري أو الاجتماعي من أحد الأطراف.

وإجمالًا فإن وقائع العنف ضد الأطفال تثير الاشمئزاز من النتائج والمتغيّرات الأسرية التي تكشف سطحية قاتلة في استيعاب النمط التربوي السليم الذي يتوافق مع شروط الرعاية والحضانة وحاجة الأطفال للدفء الأسري، ففي تقارير أصدرها برنامج الأمان الأسري بالسعودية ورصدها السجل الوطني سجّلت فيه نحو 300 حالة عنف ضد الأطفال لعام 2011م، وهي نسبة غير مطمئنة وتدعو للقلق فمعنى ذلك أن الطفولة لدينا معرّضة للخطر، ومن أكثر من مصدر كالمدرسة والمنزل والشارع وغيرها، ولو فكّرنا ببعض الحلول التي تتخاطب مع الطفل بذاته لتوعيته بحقوقه كتلك التي ينظمها بعض الشباب المتطوّعين في العمل الإنساني والذين يسهمون بشدة في نشر الثقافة الحقوقية من خلال تواجدهم في الأماكن العامة ومحاولتهم مخاطبة الأطفال بلغةٍ مبسطةٍ عن كيفية حمايتهم لأنفسهم من الإيذاء الذي يمكن أن يلحق بهم من البيئة المحيطة وكيف يمكن أن يقوموا بالحماية، نجد أنها محاولات جيدة ولكنها ليست كافية إطلاقًا، ولا حتى البرامج التربوية والكتب وغيره كافية، الحلول في مثل هذه القضايا يجب أن تنبع من الداخل من الأسرة.

وداخل الأسرة كيف هي لغة الأرقام، هناك ما نسبته 70 بالمائة من الاعتداءات على الأطفال يرتكبها رجل البيت وما بين 50 الى 70 بالمائة من الرجال الذين يعتدون على نسائهم يعتدون على أطفالهم، وقد سجّل السجل الوطني لحالات إساءة معاملة وإهمال الأطفال في السعودية بالقطاع الصحي زيادة تقارب الضعف في عدد حالات العنف ضد الأطفال في عام 2011م مقارنة بالعام الذي سبقه، في وقتٍ يبلغ فيه عدد مراكز حماية الطفل في جميع مناطق السعودية 41 مركزًا في القطاعات الصحية المختلفة، ولكن ما هو الحصاد؟ لا يزال متواضعًا في ظل ظهور جرائم بشعة كجريمة لمى تتطلب مزيدًا من المعالجات السلوكية والأخلاقية والتوعوية للأسر بصورةٍ أكثر عمقًا مما تقوم به هذه المراكز حتى لا ينهار النظام الاجتماعي طالما هناك آباء لا تردعهم توسّلات البراءة والعذاب الذي تعبّر عنه عيون الأطفال قبل مصرعهم أو ضياعهم.