آخر تحديث: 24 / 1 / 2019م - 2:52 م  بتوقيت مكة المكرمة

ثورة ماكرون

ميرزا الخويلدي الشرق الأوسط

اختار الرئيس الفرنسي «الثورة» عنواناً لكتاب دشن به عهده الرئاسي، في كتاب «ثورة إيمانويل ماكرون» حاول الرئيس أن يسرد شيئاً من سيرته وحياته ورؤيته لمستقبل فرنسا والحلول التي يحملها لمواجهة العولمة.

الرئيس المفتون بالعولمة، قالت عنه شبكة «فرانس 24» إن الكثير من المحتجين أصحاب «السترات الصفر»، أبدوا امتعاضهم بسبب حرص ماكرون عادة على إلقاء خطب مطوّلة عن محاسن العولمة، لكنّه بالمقابل لم يخصّص لأعمق أزمة تشهدها رئاسته سوى 13 دقيقة.

كانت الثورة الفرنسية 1789 - 1799 واحدة من أهم الأحداث في تاريخ البشرية. لكنها لم تكن آخر الثورات في فرنسا، قبل 50 عاماً خرج الفرنسيون في ثورة أخرى عرفت بأحداث مايو «أيار» 1968، أدت فعلياً لإسقاط شارل ديغول أحد أبرز رجال فرنسا التاريخيين.

سنحتاج إلى وقت طويل لكي نستوعب ثورة الغضب الجديدة التي أطلقها أصحاب «السترات الصفر» في فرنسا، والتي تهدد بالانتشار في بقية أوروبا. كلمة السر في هذه الانتفاضات هي «العولمة»، التي يرون أنها ساهمت في تهميش الطبقات الوسطى والعاملة والمناطق الريفية لصالح الشركات العملاقة وأصحاب رؤوس الأموال. الصدمة، المظاهرات التي أشعلها رفع الضريبة على الوقود، كشفت عمق الفجوة الواسعة بين عالمين يعيشان في أغنى مناطق العالم أوروبا - فرنسا، ثم نكتشف أن هناك شعوراً متزايداً بأن النخبة توظف العولمة لصالح أقلية تملك المال على حساب الطبقات الأخرى.

الطبقة الوسطى تتآكل، وتشعر بالغبن والتفاوت الطبقي، وهي لا تعرف من «العولمة» سوى الضرائب ومضاعفة ثروات الأغنياء وآليات السوق وحركة رأس المال، بينما لا تستفيد من العولمة تلك في تسهيل حركة الناس وحرية التنقل والبحث عن فرص أو عمل.

نتذكر كتاب «العد العكسي للعولمة: عدالة أم تدمير الذات، مستقبل العولمة»، للصحافي الألماني هَرَالد شومان بالتعاون مع زميلته الصحافية كريستيانة غريفه، الذي صدر عام 2009 «ترجمه للعربية محمد الزايد»، فالكتاب يوجه نقداً لاذعاً وهجومياً لـ «نظام العولمة» الذي يؤدي، حسب المؤلفين، إلى تكوين نظام يخدم رأس المال ويتسبب في تضخم عالم المال والاقتصاد بعيداً عن الرقابة، والدفع نحو توسيع الهوة بين الفقراء والأغنياء، الكتاب ممتع وصيغ بشكل صحافي وقصصي لا يفقده قوة الفكرة وتماسكها. هرالد ألف قبل ذلك بالتعاون مع زميل آخر هو هانس - بيتر مارتين عام 1996 كتاب «فخ العولمة... الاعتداء على الديمقراطية والرفاهية» «صدر باللغة العربية عن سلسلة «عالم المعرفة» ترجمة: د. عدنان عباس علي». ويقدم المؤلفان في هذا الكتاب فهماً مختلفاً لقضية العولمة: إذا أردنا أن نفهمها اليوم علينا العودة إلى مرحلة الثورة الصناعية «1750 - 1850» التي ميزت البدايات الأولى للنظام الرأسمالي. جاءت هذه الثورة نتيجة لما حققته الطبقة العاملة والطبقة الوسطى من مكتسبات، لكن الكتاب يلاحظ أنه وبفعل العولمة اليوم تلوح في الأفق حركة مضادة تقتلع كل مكتسبات تلك الطبقات الكادحة، من قبيل زيادة البطالة وانخفاض الأجور وتدهور مستويات المعيشة وإطلاق آليات السوق وتفاقم التفاوت الطبقي في المجتمع، كل هذه الأمور ليست في الحقيقة إلا عودة للأوضاع نفسها التي شهدت قيام الثورة الصناعية، «وهي أمور سوف تزداد سوءاً مع السرعة التي تتحرك بها عجلات العولمة» المستندة إلى الليبرالية الحديثة.

الكتاب يرسم صورة قاتمة للمستقبل «الذي سيكون صورة من الماضي المتوحش للرأسمالية في فجر شبابها»، إذا كانت العولمة هي القطار الذي لا يمكن الوقوف في وجهه، فإن العدالة الاجتماعية كفيلة بأن تضع الناس في جوف القطار لا تحت عجلاته!