آخر تحديث: 26 / 6 / 2019م - 3:59 م  بتوقيت مكة المكرمة

عطر الكلام «18»

سوزان آل حمود

يتعرض الإنسان لخطر الإصابة بالاحتراق النفسي مع مرور الوقت، ما قد يؤدي إلى إصابته بأمراض عضوية. وتُقدم الطبيبة الألمانية ناديا بيلينغ دليلاً على ذلك بقولها: «أكد الكثير من مرضى الاحتراق النفسي أنهم كانوا يتغاضون عن أخذ فترة راحة خلال أوقات العمل». ولكي يشعر الموظفون بالاسترخاء خلال فترات الراحة، أوصت الطبيبة الألمانية بضرورة ألا تقل هذه الفترة عن 30 دقيقة، مشددةً على ضرورة مغادرة مكان العمل خلال هذه المدة؛ حيث يُساعد ذلك على صرف ذهن الموظف عن أعباء العمل،،،

كل الدراسات النفسية تؤكد على أهمية الأجازة للراحة النفسية، وأن لها فوائد كثيرة وتعتبر فوائد الاجازة مهمة جدا فالعقل البشري لا يستطيع العمل بدون راحة وبدون ترفيه، ولقد أثبتت العديد من الدراسات العلمية الحديثة وجود علاقة وثيقة بين الضغط العصبي المستمر وإصابة الإنسان بأمراض عقلية مثل ألزهايمر، ويشير بعضها إلى أن الذاكرة تتأثر بشدة والخلايا تصاب بالشيخوخة كرد فعل للنهج الخطأ في التعامل مع الضغوط.

الجميع اختبر ذلك لكننا لا نعير للأمر أهمية، أحياناً نجد أنفسنا نعمل بشكل فعال جداً، وفجأة نبدأ وبشكل متعمد البحث عن وسائل لإلهاء أنفسنا. السبب هنا يرتبط بواقع أن الدماغ استنفذ طاقته، ولأننا لم نأخذ فترة راحة؛ فهو لم يعد في حالة من التركيز التام.

يعتبر الدنماركيون أن الراحة هي السبيل إلى السعادة، وينظرون إليها كطريقة لتحقيق الفرح في الحياة من خلال أمور بسيطة جداً تشعرك بالأمان والبهجة. فما الضرر في تطبيق المبدأ نفسه في حياتك الزوجية وحياتك الاجتماعية وفي الحياة العملية وغيرها من الوظائف لإلهام الموظفين ودعمهم في مكان العمل؟!

الكثير من الناس تصف الزواج بأنه مشروع فاشل، ولا يتكلمون عليه بالصورة التي يجب أن يكون عليها بالفعل. بل تجد أن الناس يتكلمون بكلام يشيع الندم أنهم تزوجوا، وأن لو الزمان رجع بهم لن يفكرون أبدًا في الزواج لأنهم جربوه. وبالرغم من كل هذا يجب علينا جميعًا أن نفهم أن الزواج هو ليس مجرد مشروع، بل هو حياة متكاملة ومتبادلة مع شخص اخر تختار أنت بنفسك أن تعيشها برضى وتحمل الأعباء والمستلزمات، طوال العمر، لكن طريقة العيش هي من تسبب هذا الشعور؛ فأين موقع الإجازة او الراحة الزوجية؟! إذا كان تميزك في عملك وفي حياتك الاجتماعية يستلزم أخذ فترات راحة فما بالك بحياتك الزوجية!

إن الإجازة الزوجية تحفظ للزوجين «استقلاليتهما» الشخصية، وهو بعدٌ أراه هامًا جدًا في الحياة الزوجية، وهى بمثابة تجربة «انفصال مؤقت» تُراجع خلالها الحسابات، ويتجدَّد فيها النشاط، ويُعاد النظر في أمور العلاقة الزوجية؛ لتستعيد عافيتها وبريقها، وأحسب أن البديل هو الغرق في بحر الملل حيث تتراكم المشكلات وتذوب المشاعر، لذا كانت الإجازة الزوجية فرصة رائعة ومساحة مهمة؛ لإعادة وهج الحياة، كما أن الراحة من الحياة الزوجية هي بمثابة محطة مفيدة لإثارة «الحنين» وإلهاب مشاعر «الفقد» عند الشريك، وبالتالي يثير مشاعر إيجابية تجاه الشريك. فالزواج ليس معتقلاً أو سلبًا للحريات أو عقوبة تمنع أحد طرفي العلاقة من ممارسة بعض من حريته سواء تعلق الأمر بلقاء أصدقائه أو بممارسة هواياته أو السفر.

الشعور الجيد تجاه الإجازة لا يعني مطلقًا تفضيل الكسل وعدم الجدية والرغبة في الهروب من الواجبات، بل هو حالة طبيعية تعكس مطالبة أجهزة الجسم بالتوقف قليلًا لشحن الطاقة من جديد.

ختاماً الإجازة هي حاجة ضرورية وأساسية تساهم في كسر حالة الملل والتخلص من المسؤوليات الدورية والروتينية، وهي عامل ضروري للتوقف قليلاً عن الضغط والإلتزام، لشحن الطاقة من جديدكي يعود بذهن متجدد وروح صافية، فيصبح أكثر سعادة وبالتالي أكثر فاعلية. سواء للطالب أو الموظف أو للزواج او لحياتنا عامة.