آخر تحديث: 25 / 8 / 2019م - 1:28 م  بتوقيت مكة المكرمة

الوقاية خير من العلاج!!

عباس سالم

عبارة ”الوقاية خير من العلاج“ عبارة جميلة كلنا مقتنعٌ بها، ولكن للأسف ليس كلنا يطبقها!!

عندما تزور أحد المكتبات المنتشرة في البلاد وتمر حول أجنحة الكتب المعروضة تجذبك شعارات كتب التغذية الصحية فيها، وتغازل عينيك عناوين جذابة لأعداد كبيرة من الكتب المتعلقة بالحميات والريجيمات مغلفة بصور لأجسام رشيقة تتصدرها، وينتابك الشعور بأن القضاء على السمنة أصبح فيما تحتويه تلك الكتب.

إن كثيراً من الكتب الخاصة بالتغذية الصحية للأسف هو تجاري بحت، والهدف منه هو استنزاف جيوب الناس الذين سيطر عليهم هوس الرشاقة من هذه الكتب، وهي لم تُبْنَ على براهين طبية في التغذية العلاجية، وأكثر مؤلفيها من غير المختصين في السمنة ومسبباتها، وليس كل من قال تناول تفاحة في الصباح، وصدر دجاجة منزوع الجلد في الظهر، وجبنة بيضاء منزوعة الدسم في المساء أصبح مختصاً في التغذية العلاجية.

ما تحتويه الكثير من الكتب المعلقة على أرفف المكتبات الخاصة بالحمية الغدائية لإنقاص الوزن قد لا تناسب الجميع بكل أعمارهم وحالاتهم الصحية؛ لأن برامج إنقاص الوزن يجب بناؤها على تشخيص الحالة ومعرفة أسباب السمنة فيها، والتي قد لا تكون بسبب تناول الكثير من الأكل، بل قد تكون بسبب الخمول والكسل وعدم ممارسة أي نشاط رياضي، وأيضا لا بد من معرفة الأسباب الرئيسة وراء ذلك الخمول أو زيادة تناول الأكل أو نوعيته.

البوفيهات المفتوحة الدخيلة على ثقافة مجتمعنا في الأعراس، سبب رئيس لتجاوز الحدود في كميات الغذاء المفروض تناولها للفرد، وذلك بسبب وجود خيارات كثيرة متاحة للأكل، ورغبة الشخص في ملئ الحافظة الصغيرة بمختلف أصناف الطعام حتى وإن ذهب نصفها إلى الزبالة بعد تناول أكبر كمية ممكنة منها!! وفي كثير من الأحيان تخلو البوفيهات المفتوحة من أي خيارات صحية، حتى السلطات تكون مليئة بالصلصات الدسمة والمايونيز، والسعرات الحرارية العالية، والدهون وغيرها.

إن خطر الأمراض والإصابة بالسمنة على أطفالنا للأسف موجود في مدارسنا الحكومية!! حيث إن كل الممنوعات من المواد الغدائية المسرطنة والمصنفة من الهيئة العامة للغذاء والدواء في المملكة بأنها خطيرة على الصحة تباع في مقاصف ألمدارس!! وتحت مرأى وأمر بعض المسؤولين من الكادر التعليمي، فأين أنت يا وزارة التعليم من هذه السموم التي تباع في المدارس الحكومية؟!

الكثير من الشابات في عمر الزهور تشوهت أجسامهن بسبب السمنة، والكثير من الشباب ربطوا كروشهم أو غيروا مساراتها وفقدوا القدرة على المشي بسبب تآكل الغضاريف نتيجة زيادة الوزن الكبيرة، وآخرون تكاثرت عليهم الأمراض التي بدأت من عادات غير صحية في الأكل والحياة بشكل عام، وها هم مقعدون لا يستطيعون الرجوع لتفادي تلك المسببات التي تساهلوا فيها يوما ما، وقدموا رغباتهم في الأكل وحياة الخمول والكسل على مصالحهم الصحية الحقيقية.

إذاً إن النظام الغذائي الأمثل هو ما أرشدنا إليه رسول الله ﷺ فيما نقل عنه: ”ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فاعلاً؛ فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه“ ومن يطبق تلك التوجيهات فسيقي نفسه بمشيئة الله تعالى من أغلب المشكلات الصحية والأمراض المزمنة التي يعاني منها الكثيرون، وهذه نصيحة سهلة ومختصرة لا تدخلك في تفاصيل معقدة وفيها الصحة والعافية بإذن الله.

الابتعاد أو التقليل من تناول الأغذية المعلبة بما فيها العصيرات التي تباع في المحال التجارية، خطوة في الاتجاه الصحيح؛ لأن ألبعض منا يعتقدون أن أغلب تلك العصيرات صحي ومفيد، والحقيقة أنها ليست صحية ولا مفيدة؛ لأنها تحتوي على نسبة كبيرة من السكر والمواد الحافظة، فإذا أردت صحة أفضل فتجنب شرب تلك العصائر والمشروبات الغازية بأنواعها، واستبدلها بالماء أو العصير الطازج، فالصحة خيار يستحق تغيير ما تعودنا عليه، ومع الاستمرار في السلوك السليم يمكنك تغيير عاداتك كما يغير الشخص شرب الشاي من ”كثير السكر“ إلى ”بدون سكر“ ومع مرور الوقت يبدأ ألتغيير فلا يتحمل شرب الشاي بسكر، نعم إنه التعود التدريجي.

إن علاج جذور المشكلة هو الحل، وليس إعطاء حميات شبيهة بالمسكنات من الأدوية الطبية فما أن ينتهي مفعولها تعود الآلام إلى المريض مرة أخرى، فلا توجد حمية فعالة وصحية لنقص الوزن أفضل من تعديل سلوك ونمط الحياة، فلنتوقف عن البحث عن حميات لتخفيض أوزاننا، ولنوقف استغلال غير المختصين لصحتنا من خلال بيع الأوهام والبرامج الغذائية المدمرة لصحتنا.

إن أفضل طرق الحصول على الصحة هو المحافظة عليها، وهناك حكايات مؤلمة لأناس أهملوا صحتهم، واستسلموا لهوس الأكل في أي وقت ومتى ما أرادوا حتى أصيبوا بالسمنة، وها هم الآن يدفعون الثمن الغالي جراء ذلك الإهمال أو الإفراط في الأكل، وإن القناعة التامة بضرورة تحسين السلوك ونمط الحياة أمر هام، فهي تعزز الصبر لمواصلة تطبيق النظام الصحي السليم، وإذا بني بشكل سليم كان تطبيقه ممكنا وفعالاً، أما الاجتهادات غير المختصة فلا تحقق الهدف، حتى وإن بدت جيدة في بداية الأمر.

خلاصة الكلام هي أدام الله عليكم نعمة ألصحة والعافية، وأن ”الوقاية خير من العلاج“ عبارة جميلة وكلنا مقتنع بها، والقصد منها المحافظة على صحتنا، والحرص على سلامتنا أفضل من الإصابة بالأمراض ومن ثم نلجأ للعلاج ولكن للأسف ليس كل الناس يطبقها، والعلاج دائما أصعب من الوقاية، وغير مضمون النتائج 100%، ولكن الوقاية مضمونة بمشيئة الله تعالى.