آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 5:12 م

العتاب وحماية العلاقات الاجتماعية

الشيخ حسن الصفار *

في علاقة الإنسان مع الآخرين، من القريبين كأفراد العائلة وزملاء العمل، أو البعيدين ممن تربطه بهم أيّ علاقة تعامل، قد يواجه تصرفاً لا يعجبه، ويتأذّى منه، وقد يبلغه عن أحدٍ ما يزعجه ويسيئه. وهنا غالباً ما ينفعل الإنسان، ويرتب أثراً، ويتخذ موقفاً، يبدأ بإدانة ذلك الطرف والحكم عليه بالخطأ، ويقوده ذلك للسّخط عليه والزعل منه، ثم مقاطعته ومعاداته، وأخيراً اتخاذ إجراءات عملية ضدّه.

العتاب أولاً

لكن هناك مرحلة ينبغي أن تسبق هذه الخطوات والإجراءات وهي ما يطلق عليها مرحلة «العتاب».

عن أمير المؤمنين في وَصِيَّتِهِ لِمُحَمَّدِ بنِ الحَنَفِيَّةِ: لا تَصرِمْ أخاكَ عَلَى ارتِيابٍ، ولا تَقطَعْهُ دونَ استِعتابٍ، لَعَلَّ لَهُ عُذراً وأنتَ تَلومُ.

والعتاب يعني إشعار الطرف الآخر بعدم الارتياح مما حصل منه، ومساءلته عن الدافع لذلك. ومن خلال ردّ فعله على عتابك تتضح لك الصورة لتتخذ الموقف المناسب.

1/ فقد يتبيّن لك براءته من الخطأ المتصور، فهو لم يقل ما بلغك أنه قال، أو لم يعمل ما تصورت أنه عمله.

ورد عن علي أنه قال: رُبَّ مَلُومٍ ولا ذَنْبَ لَهُ.

2/ وقد يتضح لك أنّ هناك سوء فهم لقوله أو تصرفه. وأنه لم يقصد الإساءة.

حدث أنّ جماعة في مجلس تناولوا شخصاً لعدم مساهمته في مشروع خيري، فدافع عنه صديقه بأنّ ظروفه المالية صعبة، فذهب من أخبره أنّ فلانًا يقول عنك أنك في أزمة مالية، غضب وجاء منفجرًا في وجه صاحبه، هل شكوت لك الفقر؟ هل أنا محتاج إليك؟ أنا وضعي المادي أحسن منك، وكادت أن تنقطع العلاقة بينهما، وقد يحصل مثل هذا الموقف كثيرًا عندما يُنقل الكلام أو الفعل مفصولًا عن سياقه وخلفياته.

3/ وقد يظهر لك أنّ له عذرًا في تصرفه الذي أزعجك، فهو لم يزرك في مرضك أو لم يحضر مناسبتك؛ لأنه لم يعلم أو لأنه مسافر، أو لأنه مريض.

4/ وقد يتراجع عن خطئه ويعتذر عمّا صدر منه، وعليك أن تقبل عذر أخيك وصديقك، لتستمر العلاقة والمودة، وتعود الأمور إلى طبيعتها معه.

حيث ورد عن رسول الله ﷺ أنه قال: مَنْ لَمْ يَقْبَلْ مِنْ مُتَنَصِّلٍ عُذْراً، صَادِقاً كَانَ أَوْ كَاذِباً، لَمْ يَنَلْ شَفَاعَتِي.

وعن علي : اِقبَلْ مِن مُتَنَصِّلٍ عُذرًا، صادِقًا كانَ أو كاذِبًا.

وعن الإمام زين العابدين : لا يَعتَذِرُ إلَيكَ أحَدٌ إلاّ قَبِلتَ عُذرَهُ؛ وإن عَلِمتَ أنَّهُ كاذِبٌ.

وبهذا يظهر دور العتاب في تلافي القطيعة والعداوة، وضمان استمرار المودة والعلاقة، كما أشار الإمام عليّ فيما روي عنه: العتاب حياة المودة.

وكما قيل: العتاب صابون القلوب، أي يغسل ما يعلق بها من البغضاء والشحناء.

خطيب وكاتب سعودي «القطيف»