آخر تحديث: 23 / 7 / 2019م - 3:59 م  بتوقيت مكة المكرمة

العصر الجديد للمرأة السعودية؟!

بلا مواربة هناك قفزات كثيرة مهمة وحساسة تحققت للمرأة السعودية بفضل الإرادة السياسية، حيث كان آخرها إعلان العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز حق المرأة في عضوية مجلس الشورى وفي التصويت والترشح لانتخابات المجالس البلدية في الدورة المقبلة لكل منهما، مما شكل مفاجأة كبرى للشعب السعودي وللمرأة بشكل خاص، كما لفت أنظار العالم إليه، كون القرار يعد قفزة نوعية في التاريخ السياسي للمملكة، وللمرأة بالذات - الحلقة الأضعف - التي لازالت تعاني من الإقصاء والتهميش، ويمارس ضدها مختلف أنواع التمييز والتي بالأمس كانت تطالب بأبسط حقوقها في قيادة السيارة، تكافئ اليوم بقرار حكيم وشجاع وجريئ بالمشاركة السياسية والتصدر في موقع القرار، بالطبع ليس عسيرا أن تتبوأ المرأة السعودية المناصب القيادية في مجلس الشورى والمجالس البلدية، لا سيما أنها برزت وأثبتت قدرتها على العطاء في كثير من الحقول الاجتماعية والثقافية والإدارية وأبدعت في ميادين كثيرة في خدمة ورقي المجتمع، ووجودها ومشاركتها السياسية حتمي بين أروقة هذه المجالس وحق من حقوقها الأساسية كإنسانة ومواطنة بالدرجة الأولى وثانيا يمنحها المجال لأن تكون قريبة من القرار مع المساهمة في صنعه، دون أن نغفل عن كون وجود المرأة في هذه المواقع سيعزز مكانتها، وسيقلص من سيادة السلطة الذكورية تجاهها، وسوف يفسح لها المجال في دخول الساحة السياسية العملية والتنظيمية والتشريعية من بواباتها الواسعة، وذلك في حال إتسعت آفاق وصلاحيات هذه المجالس وفق قوانين واضحة ورؤية صائبة وأهداف ثابتة تلبي حاجات ورغبات وآمال المواطنين الأساسية المعقودة عليها في التشريع والرقابة والمشاركة الشعبية. أما طريقة تفعيل هذا القرار فهو بحاجة إلى إنهاء الكثير من الملفات العالقة وحلحلة المشاكل الرئيسية التي تشكل معاناة حقيقية للمجتمع السعودي ككل وللمرأة السعودية بشكل خاص وعلى رأسها ما يلي:

1 - أن يعمل مجلس الشورى على سرعة البث في نظام الجمعيات الأهلية والتطوعية، ويفسح المجال للإعتراف بمؤسسات المجتمع المدني، والسماح بتشكيل المؤسسات الحقوقية التي تسهم بدور كبير في إستثمار الطاقات النسائية وتؤدي دورها الفعال في تثقيف المرأة وفي زيادة وعيها وتهيئتها للتفاعل بشكل صحيح وجدي للمشاركة في العملية السياسية.

2 - العمل على تمكين المرأة وإشراكها بالتعيين في المواقع القيادية على مستويات عليا في مختلف المؤسسات الوطنية، فالمجتمع اليوم يتطلع إلى دور المرأة المكمل للرجل ليس فقط في التعليم وفي مجلس الشورى والمجالس البلدية، بل هناك في المجتمع إمكانيات لبروز حقائق للمرأة القيادية في مختلف قطاعات الدولة ومؤسساتها الرسمية في القطاع الإقتصادي والمشاركة في التنمية المستدامة في الصناعة والتجارة، وفي القطاع الإجتماعي والتربوي والثقافي، والصحي والسياحي، ويحتاج للمرأة في مجالس المناطق وفي رئاسة الصحف المحلية، وفي أجهزة الدولة في هيئة التحقيق والإدعاء العام وفي الشرطة، وفي الموقع القضائي كنائبة وفي وزارة العدل، ومستشارة قانونية في قاعة المحاكم، وداعية كعضوة في الجوامع الفقهية وفي هيئة كبار العلماء، وفي النوادي الأدبية والرياضية وفي وزارة الداخلية والخارجية، وممثلة لبلادها كسفيرة ووزيرة ومحامية.... الخ، مشيرة ان يبقى دور المسئولين ودور المجتمع هو صيانة كرامة المرأة على ضوء ما منحه الدين من قيم وتعاليم، فالمرأة تقدمت وبنت وقادت ودعت في العهد النبوي الشريف وكانت رائدة على مر العصور المختلفة.

3 - حتى يستكمل القرار مسيرته الصحيحة لابد من منح المرأة حقوقها المدنية والمتمثلة في إقرار أن يكون للمرأة شخصيتها القانونية، وذلك بتفعيل بطاقة الأحوال الشخصية أو بطاقة الهوية في المحاكم في العقود والمعاملات في الدوائر الرسمية في البنوك والقروض في القرارات الصحية المرتبطة بها، وفي إخراج التصاريح والتأشيرات، وان تكون ملكة قرارها في منحها الحق المدني في حرية التنقل في إعطائها الحق في اخراج رخصة قيادة سارية المفعول والحق في السفر وفي إتمام دراستها وتذليل كافة المعوقات التي تعترضها في سبيل تحقيق ذاتها كإنسانة واستقلالها كمواطنة وفي مساواتها في الحقوق المشروعة الخاصة بها.

4 - إصدار قانون الأحوال الشخصية، الملف الذي لازال عالقا في مجلس الشورى لمتابعة قضايا المرأة في كل ما يتعلق بشؤونها في الأسرة والزواج والطلاق والحضانة والوفاة والجنسية، وكل ما يرتبط بشؤونها الخاصة في الوظيفة والعمل، وتحديد السن القانوني والوكالة الشرعية، والإعتداء والتحرش الجنسي، وغيرها من المشاكل التي تتعرض لها، ومن الأهمية أن يقر مجلس الشورى لجان تشريعية مختصة في إيجاد التشريعات وتعديل القوانين الخاصة بالمرأة ودورها، ومنح الصلاحيات في موقع القرار والسماح لها في إتخاذ القرارات الخاصة بكل ما يستجد في أوضاعها.

5 - قرار خادم الحرمين الشريفين يفرض احترام المرأة في كل موقع، الأمر الذي يدعو كافة المؤسسات الإعلامية والتربوية والثقافية إلى بث ثقافة اجتماعية واعية تحترم عمل المرأة وتقدر جهودها وتبرز نشاطاتها وتوفر المناخ المناسب لدعم النماذج النسائية الناجحة وتقديرها، وصناعة الشخصيات القيادية وفتح الفرص أمامها.

6 - التعاون والتنسيق بين مختلف الفعاليات النسوية لرسم خطط واستراتيجيات ضمن أهداف واضحة تعكف على دراسة أهم وأبرز الاحتياجات المرحلية والمستقبلية للمرأة ومعالجة مشكلاتها،.

المرأة السعودية تستطيع أن تمارس حقها الكامل عندما تتصدر موقع القرار ولا يتم ذلك إلا بكفاحها وعملها وتميزها. فوجودها على رأس الهرم في مؤسسات الدولة له دور كبير في تغيير وتصحيح موقعها، كما نتمنى أن لا يكون هذا التمثيل صوريا وشكليا كما هو متعارف في غالبية مؤسساتنا الرسمية، فبالخبرة والوعي والكفاءة تسطر المرأة السعودية مستقبلها، فأمامها اليوم تحد خطير والأمل معقود عليها، والخشية أن يفرغ القرار من مضمونه ومحتواه ويتم تعطيله كقرارات سابقة، لذلك مهم جدا إصدار القوانين السياسية والمدنية التي تقر حقوق الإنسان الأساسية، ومشاركة المرأة السياسية وفي المناصب القيادية حق أساسي لكن الأهم هو صيانة هذه الحقوق وحمايتها كي لا يتم التلاعب بها والالتفاف عليها.

أخيرا: قرار دخول المرأة مجلس الشورى والمجالس البلدية كسر تابو المنع والحصار الذي فرض منذ عقود على عنق المرأة، كما أنه يعتبر مدخل نحو التجاوز الحكيم للموروث الثقافي والإجتماعي المتمثل في سلطة الرجل وعادات المجتمع وتقاليده، مما غيب إشراقة المرأة الإنساني وضيع دورها الرسالي الحقيقي في خدمة مجتمعها ووطنها كمعمرة لهذه الأرض، وأوقعها ضحية للظلم والعنف والقهر، لذلك ليس من السهل أن يتم تجاوز هذا الواقع بسهولة، فما يجب أن نعيه جميعا، انه ليس لدينا الوقت للجدال والنقاش العقيم الذي يعيدنا للوراء ولدوائر مغلقة مرة أخرى، كتغطية الوجه والاختلاط...

حيث نتساءل: هل مشاركة المرأة ضمن دوائر مفتوحة او مغلقة عن الصوت والصورة، فلا داعي للمزايدات فالمرأة في موقع تفرض إحترامها بعيدا عن مهاترات الشك والريبة، المرأة السعودية اليوم واعية بثوابتها، والعالم متسارع وعصر الديمقراطيات يرتسم ويتشكل، وكفانا تفرجا وتقاعسا، كل الشعوب اليوم تتطلع أن تكون في مقدمة الركب ونحن نود أن نكون مع الركب، لا أن نقف في المحطة ننتظر مرور القطار، أو نستسلم لعثراته ومن يريد إيقافه. فبمقدار إنتعاشنا وفرحتنا بالقرار كسيدات في المجتمع السعودي بقدر ما سيزيدنا ذلك فخرا عندما نتمتع بكافة حقوقنا وخاصة إنطلاقها من صاحب القرار.

كاتبة وباحثة سعودية «صفوى».