آخر تحديث: 21 / 5 / 2019م - 2:17 م  بتوقيت مكة المكرمة

المتقاعد والتضخم

ياسين آل خليل

لا يمكنني القفز للحديث عن المتقاعد ومعاناته مع التضخم دون أن أعرج في عجالة للحديث عن التضخم ذاته الذي تحول الى نجم بل بطل تتداوله الصحف في مستهل صفحاتها الأولى ولا تكاد ديوانية أو مجلس يخلو برنامجه أو أجندته من خاطرة أو حديث عابر عما يفعله التضخم في حياة كل منا. اليوم بات التضخم عابر للقارات، ملهم للجميع وقد يكون الأكثر تداولًا بين الألسن وأكثر المواضيع المجتمعية إثراءً من بين مواضيع الساعة. السؤال لماذا التضخم وما هو وماذا يعني بالنسبة لنا؟

التضخم بكل بساطة، هو مصطلح اقتصادي يشير إلى حالة من ارتفاع أسعار السلع والخدمات بشكل عام ومع ارتفاع الأسعار تنكمش القدرة الشرائية لدى المستهلك. بتفصيل أكثر وضوحًا، مع وجود التضخم بات على المستهلك دفع المزيد مقابل نفس السلع والخدمات التي كان يحصل عليها في السابق. مع مرور الوقت، صار حال المستهلك يزداد سوءًا يومًا بعد يوم ومع ارتفاع الأسعار بات عليه دفع المزيد من الأموال مقابل حصوله على نفس حاجياته من المواد والخدمات. بالأمس القريب مثلًا كان يحصل على أربعة أرغفة من الخبز مقابل كل ريال يدفعه، الآن عليه أن يدفع ريالان مقابل نفس العدد من الأرغفة. كذلك الحال في الخدمات فالمئة ريال التي كان يدفعها الواحد منا للسباك لإجراء بعض الصيانة المنزلية التي لا تتعدى أربع ساعات عمل، بات عليه دفع ضعفها مقابل حصوله على نفس الخدمة.

قد يعتقد البعض وخاصة الشريحة الشابة من المجتمع أن الموظف عندما يصل الى مرحلة التقاعد، فإن معظم التزاماته المالية تتلاشى وبذلك تصل مصاريفه الى أدنى مستوى لها، بمعنى أنه لا يحتاج الى المزيد من المال لتغطية مصاريفه الشهرية. الكثير ممن دخلوا سن التقاعد لا يتفقون مع هذه الرؤية ولأسباب عدة أحاول بقدر المستطاع إيضاحها في هذه العجالة. يشكل السكن العبء الأكبر انفاقًا وتأثيرًا على ميزانية الأفراد في جميع فئاتهم العمرية، بما فيهم شريحة المتقاعدين. هذا دون شك راجع الى أن بعض النفقات في واقعها لا تختفي مع التقاعد حتى وإن كان المتقاعد يمتلك منزله بالكامل. الصيانة والإصلاحات واستبدال بعض الأثاث والأجهزة بأخرى جديدة، بعد أن استهلكت مع توالي الأيام والسنين، هي التزامات من الواقع المعاش وأمر طبيعي قد لا يمكن تفاديه أو غض الطرف عنه ما قبل التقاعد أو بعده.

المتقاعد يواجه ما يواجهه أخيه الذي ما زال على رأس العمل من دفع فواتير الخدمات من كهرباء وماء واتصالات فهو ”المتقاعد“ ليست لديه بطاقة تؤهله لأن يحصل على حسومات فقط لكونه متقاعدًا. الخدمات حالها حال تذاكر السفر والمواصلات التي يعتبرها المتقاعد فاتورة الترفيه التي يكافئ بها نفسه بعد سنين متواصلة من الخدمة وحاجته الماسة لقضاء بعض الوقت خارج منزله قبل أن يقعده العجز والمرض في ما تبقى له من عمر. العلامة الفارقة بين المتقاعد والموظف، هي أن الموظف يحصل على علاوة سنوية تغطي نسبة التضخم في الأسعار والتي تطال كل شيئ، بينما المتقاعد يحصل على راتب ثابت لا يتغير على مر السنين، مما يجعل دخله يتآكل شيئًا فشيئًا كقوة شرائية تتعرض للتضخم عامًا بعد عام. ما تشتريه عشرة آلف ريال قبل عشر سنوات لا شك أنه تراجع بما لا يقل عن 25% من قوّتها الشرائية. العشرة آلاف ريال بقيت كما هي رقمًا، إلا أن قيمتها السوقية في واقع الأمر هي فقط سبعة آلاف وخمسمائة ريال في أحسن تقدير. هذا إذا ما حسبنا نسبة التضخم السنوي على أنها 2,5% ثابتة على مدى العشر سنوات الفائتة.

خلاصة القول هي أن ما تقوم بتوفيره اليوم سيحدد ميزانيتك التي ستعيش بها وقت تقاعدك، لأن راتبك التقاعدي المتواضع لا يمكنه أن يصمد طويلًا أمام عنترية التضخم الذي ينتظره بالمرصاد. نصيحة من أخ لك في الإنسانية، لا تنتظر ظهور الشيب في ناصيتك لتبدأ التخطيط لتقاعدك. احسب نسب التضخم التي تتوقع أن تطالك في قادم الأيام من السنين المتبقية لك حتى تخرج للتقاعد وافتح حساب ادخار تضع فيه ما لا يقل عن 10% من دخلك الشهري لتكون لك سندًا وقت تقاعدك. تعرّفك على مجموع الريالات التي تحتاجها لسد متطلبات كل شهر تقاعدي تخطط أن تعيشه مستقبلًا سيجعل التخطيط أكثر واقعية، مما يشعرك بالأمان المالي في حاضرك وقادم أيامك. عندما تقوم بعملية التخطيط، لا تنظر فقط الى الأرقام بقدر ما تحمله تلك الأرقام من قدرة شرائية تمكنك من القيام بجميع مهامك الحياتية وقت تقاعدك.