آخر تحديث: 31 / 5 / 2020م - 11:53 م  بتوقيت مكة المكرمة

دردشة دراويش ودردشة مثقفين

المهندس أمير الصالح *

بعد ان يأس الكثير منهم بان يكونوا من اصحاب الأموال الطائلة والثروات المتراكمة حيث كانوا يتطلعون بان يكونوا يوما ما ويستمتعون كما يستمتع الاخرون ممن وفد لديارهم ونزح لأراضيهم او مما يشاهدون من بحبوحة العيش التي يستمتع بها سكان دول مجاورين لهم. كان اعضاء تلك الجلسة التسامرية يتطلعون حلما بان ياتي ذاك اليوم الذي يعيشون فيه بالاستمتاع بثروات موطنهم ونعيم الخيرات التي تحت ارجلهم ويعقدون الكثير من السفريات والرحلات حيث أملاكهم واستثماراتهم ويتلذذون بتنوع موائد الأطعمة والاشربة ويتنزهون بركوب الفاره من السيارات واليخوت والطائرات في تنقلاتهم ويبيتون في قصورهم او فللهم ويتغنون في مزارعهم وبساتينهم وحدائقهم. كيف لا يحق لهم ان يحلمون بكل ذلك النعيم وهم ابناء منطقة حباها الله بالنعم الكثيرة جدا وذوي كفاءات علمية مرموقة ومنافسة ويعيشون واسلافهم وأسلاف اسلافهم ابا عن جد عن جد الجد على أراض تعج ومازالت بالثروات الطبيعية الكبيرة.

استيقنت معظم انفس ذاك الحضور من المشاركين في الدردشة بانهم ولدوا بأحلام وطموحات كبيرة وانتهى بهم طول الامل وانقضاء رحلة العمر بان يكونوا اداة عمل لانجاز احلام اخرين تارة بمسمى موظفين وتارة باسم كسبيين او صغار رجال اعمال ومنهم من انتهى او على وشك ان ينتهي بهم المطاف بالإحالة على التقاعد او من ينتظر بعد حين ولم يرون احلامهم الكبرى.

في ذاك الجمع، على خجل يتم ذكر حدث اقتصادي هنا او هناك الا ان الواقع لا اثر للثراء في ايا من الحضور. بل ان معظمهم يعيش حالة ”قوت من لا يموت“ وشعارهم ”القناعة كنز لا يفنى“ و”الزهد اية الكسب“ و”الرضاء رضا النفس“.

بعد ان أشاحوا وأشحنا انفسنا منذ عقود عن اللغو في المواضيع السياسية الجاد منها او الهزل، وكذلك نأوا ونأينا بانفسنا عن كل ما قد يُفهم او يُفسر بانه تماس بخطوط حمراء او صفراء او رمادية في عالم الرياضة والاقتصاد والفن والفلسفة والنقد والدين، اتخذوا وايانا من الحديث في المواضيع المدرجة ادناه وسيلة من وسائل الاستمتاع بالوقت والدروشة والعيش في حالة شبه الوهم بامكانية احداث التأثير وايجاد الاثر في فضاء المحيطين بنا وابناء المجتمع وخلق معنى جديد في الاستمتاع ب الحياة مع كثرة مناطق الحظر وكثرة الخطوط الحمراء وفقدان الامل بالثراء المالي:

  • شباب السوشل ميديا الصاعد والاسئلة الكبرى
  • حرية التفكير والنداء بعدم محدوديته
  • الدعوة لـ الحرية في طرح التساؤلات دونما افق في المجال الوجودي والتشريعي والسلوكي
  • المطالبات بالمراجعة لنصوص الدينية والثقافة العامة واطلاق مراجعة شاملة
  • الالتزام بالكرامة وحقوق الانسان
  • الهجرة مالها وعليها ومواطن المهجر والوضع الراهن للاقليات
  • تصاعد التيار اليميني عالميا واثاره المتوقعة على الاستقطابات العرقية.
  • واقع التجربة الدينية في المجتمعات العربية ما لها وما عليها
  • التشمت بين العلمانيين والاسلاميين في مخرجات التجارب
  • اساليب المكاشفة في النقاش ببن الجراءة والوقاحة
  • حوكمة بعض الاعراف والتقاليد
  • اخبار الكتب ومعارض الكتب

دار الحديث بين الحاضرين وتم القفز من موضوع لاخر وطال الشد والجذب في بعض الجزئيات، دونما ايجاد حلول او معالجات ذات جدوى او مقترحات لايجاد توصيات مجدية لابناء المجتمع سواء لإفادة الجيل الصاعد او انتشال اعضاء الجيل الهابط. فزاد اليقين لدى البعض من انهم دراويش وان مجالسة الاخرين وسجالاتهم ليست اكثر من تسجيل نقطة هنا او هناك بين المدردشين الدراوشة فاقدي او عديمي او قليلي الاثر ومتصومعي المراشقات الكلامية. بعد عقد واكثر من الزمن واثراء الحوارات الكلامية وخلق انطباعات معينة، تمزقت الجموع لتلكم المجموعة. فمنهم من سافر مرافقا لأبناءه الدارسين في الخارج ومنهم من ضاع حصاد عمره بوهم الثراء من خلال تجارة الأسهم، وقليل منهم نجح بتكوين مكتسبات مالية، ومنهم من تطور به الحال فانكفئ على قراءة روايات روسية او اوربية او امريكية، ومنهم من اوقف وقته لمشاهدة افلام نتفليكس ومنهم من استغرق في حفظ مقولات الادباء العالميين، ومنهم من اضاع كل شي بتاثير الصدمة الثقافية. قد يجوز التعبير عنهم انهم دراويش عاشوا نقاش بعض عناوين الثقافة ولمحدودية السقف في سماء كلامهم الذي يسبحون فيه اجتهد البعض منهم بجلد الذات حتى اراق دم بدنه وفضل البعض منهم التزام الصمت وقطف ثمار تجارب الاخرين، وفضل اخرين اطلاق نداءات وحدة الصف وفضل اخرون الإمعان في ارضاء العزة بالنفس ولو تمزق الجمع وانسحب البعض.

قد يتجدد الانطلاق لمجموعة لقاء دراويش اخرين في ديوانية ثانية او ثالثة او حتى المليون هنا او هناك في بقاع المعمورة سواء من خلال عالم الديجيتال او الواقع الفعلي في مقهى او مجلس والحقيقة الرصينة هي انه ”لا خير في كثير من نجواهم الا من امر بصدقة او معروف او اصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤته اجرا عظيما“ النساء 114

مما تعلمناه في علوم الادارة انه من اجتمعوا وكان لديهم هدف او اهداف سامية في الحوار والدردشة فانهم الاكثر نجاحا والاكثر استثمارا للوقت والاكثر انجازا في الواقع والاكثر استفادة من التعرف على التجارب وتنقيح الحلول. يقينا هناك مثاقفات عديدة بعدد الوان الطيف الا المثاقفة الحقيقة المفيدة لمن عرفوا قيمة واهمية الوقت والانجازات هي المثاقفة التي تكون ذات قيمة مضافة علميا او ادبيا او روحيا او نفسيا او سلوكيا او اخلاقيا او حتى اقتصاديا او تعليميا او هكذا افهم.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
حسين عبدالعال
[ السعودية ]: 31 / 3 / 2019م - 8:17 م
صدقت والله ووصفت الحال ناس تنولد وفي فمها ملعقة ذهب وتعيش بالطول والعرض وناس يضيع عمرها في كرف الوظيفة ويتقاعد وهو ما شاف أحلامه إلا على الوسادة لكن الله كريم ويعوض الجميع ويهني الكل