آخر تحديث: 18 / 2 / 2020م - 7:24 ص  بتوقيت مكة المكرمة

مجتمع ما بعد الغد

بدر شبيب الشبيب *

ماذا لو نضب النفط عندنا بعد غد؟ سيجيب البعض على هذا التساؤل بكلمة «فال الله ولا فالك»، وكأن الأمر رهن التفاؤل والتشاؤم. فإذا تفاءلنا ببقاء النفط وعدم نضوبه سيستجيب لتفاؤلنا وأحلامنا الوردية ولن يغادر أرضنا، أما إذا كانت نظرتنا سوداوية، فإنه «سيزعل» ويطلب تأشيرة خروج بدون عودة. بالمناسبة «الزعل» بحسب قاموس «مقاييس اللغة» و«الصحاح في اللغة» هو النشاط، ولا أدري سر استخدام اللفظ في العامية لمعنى الانفعال الغاضب. يبدو أن النشاط لا يأتينا إلا في حالة الخصومات فقط، حيث نستشيط غضبا فننشط في محاربة بعضنا بعضا. أما في حالات التصالح فإننا نميل للاسترخاء وترك الحبل على الغارب انتظارا للحظة «زعل».

بحسب تقرير «جدوى للاستثمار» فإن العام 2030 سيشهد انحسارا للنفط في المملكة، مما سيفاقم، كما يفترض، تدهور احتياطي العملات والذهب بسرعة، وتنامي ديون الدولة والشركات. وبغض النظر عن الصورة المعتمة التي يرسمها التقرير، فإننا على يقين بأن النفط مادة ناضبة عاجلا أم آجلا. وبالتالي فإن من حق الأجيال القادمة أن تعلم ماذا ينتظرها مستقبلا لتعد له الخطط العملية، وتتهيأ لاستقباله دون مفاجآت صادمة. أي إن المطلوب هو الشفافية التامة التي تدفع للعمل الاستراتيجي الجاد، فمواجهة الحقائق المرة والتخطيط للحد من آثارها السلبية أفضل بكثير من دفن الرؤوس في الرمال أو النوم في العسل.

نحن نعلم مدى اعتماديتنا العظمى على النفط وعائداته. فالكهرباء والماء ومصانع البتروكيماويات وغيرها مما حولنا مرتبط بالنفط ارتباطا عضويا. كتب يوسف الكويليت في مقال له في جريدة الرياض بعنوان «ما بعد النفط؟ السؤال المحير والجواب الصعب!!»: ارتهاننا لمورد واحد يثير الجدل، ولكنه لا يطرح الأسئلة الصعبة التي من المفترض أن تكون شأناً استراتيجياً يشارك في تحليل رؤاه اقتصاديون وعلماء بيئة، وأساتذة جامعات ووزارات مرتبطة بخططنا المختلفة، وهو أمر يجب أن لا نخفيه أو يخيفنا إذا كانت الآمال باستحداث مكتشفات للطاقة غير الناضبة، تجعل من صحرائنا بيئة إنتاج للطاقة الشمسية كحالة تفترض الأمل..

النمو السكاني المضطرد والأعداد المتزايدة من الخريجين من أصحاب المؤهلات والكفاءات العالية، خصوصا مع موجة الابتعاث الحالية، وارتفاع نسبة البطالة بشكل مخيف، وضعف البنية التحتية من مواصلات وخدمات صحية وتعليمية،؛ كل هذه المعطيات ينبغي أن تفتح العيون بأوسع ما فيها لتنظر إلى بعد الغد.

في المجتمعات المتقدمة، وبرغم الخطط الاستراتيجية طويلة الأمد التي يتم إعدادها بدقة متناهية، وبرغم خطط الطوارئ المختلفة التي تحاول توقع غير المتوقع، وبرغم الاهتمام الشديد بالدراسات المستقبلية، فإنها قد تفاجأ أحيانا بما لم يكن في الحسبان. ولكنها تتمكن من استيعابه وتحمل نتائجه بسبب الآليات الفعالة المتوفرة لديها.

أما المجتمعات المتخلفة، وبسبب ثقافتها الاستهلاكية، وعدم اكتراثها بالمستقبل، فإنها تفضل «أكل ما في الجيب ليأتي ما في الغيب». هذا هو طريقها للتنبؤ بالمستقبل وقراءته قراءة جيبية. والفرق بينها وبين المجتمعات المتقدمة يمكن تصويره بالمسافة الفاصلة بين جيب الثوب السفلي وبين العقل المتربع على كرسيه في الرأس. طبعا لا أحد يضع محفظته في جيبه العلوي.

المجتمعات المتقدمة كما ذكرنا في مقالنا «ماذا بعد السؤال الأهم؟» تعيش غالبا في المربع الثاني حيث الخطط المستقبلية وصنع الاستراتيجيات ومراكز البحوث العلمية ومراكز أو خزانات التفكير أو ما يطلق عليها باللغة الانجليزية Think Tanks التي تقوم بتحليل الواقع الراهن، وتقديم رؤى مستقبلية لتطويره أو صنع واقع جديد «بما يخدم أهداف ومصالح الدول العليا وأمنها القومي، وفق مرجعيات أكاديمية راسخة، بعيداً عن الارتجالية في الأداء أو الأحادية في النظرة والتناول. »

أما المتخلفة فإنها تعيش متنقلة بين المربعات الثلاثة الأخرى، ولا يسعدها المرور بالمربع الثاني أبدا، لأنه ينكد عيشها. وكم يسرها أن تردد ما تحفظه مما يناسب مزاجها من رباعيات الخيام:

لا تشغل البال بماضي الزمان

ولا بآتي العيش قبل الأوان

واغنم من الحاضر لذاته

فليس في طبع الليالي الأمان.

ومن لا يحفظ هذه الأبيات، فإنه يردد البيت التالي باللهجة العامية:

إذا صفا لك زمانك عل يا ظامي.. اشرب قبل لا يحوس الطين صافيها.

وهو البيت الذي يستدعي لدي بيتا آخر قديما، مذكرا إياي بتجذر ورسوخ وحضور هذه الثقافة في لا وعينا الجمعي. البيت هو الثاني من هذين البيتين:

إذَا هَبَّتْ رِيَاحُك فَاغْتَنِمْهَا *** فَإِنَّ لِكُلِّ خَافِقَةٍ سُكُونُ

وَإِنْ دَرَّتْ نِيَاقُك فَاحْتَلِبْهَا *** فَمَا تَدْرِي الْفَصِيلُ لِمَنْ يَكُونُ

ترى هل نستغرب أن تعاملنا مع النفط يتماشى مع مضمون هذا البيت، حيث نحتلب نياق النفط حاليا، ولا يهمنا نصيب الفصيل؟ والفصيل لمن لا يدري هو ولد الناقة.!!