آخر تحديث: 18 / 2 / 2020م - 8:16 ص  بتوقيت مكة المكرمة

ثقافتنا في ظل ثورة الإنفوميديا

السيد ابراهيم الزاكي

تمهيد

للثقافة معاني ودلالات عديدة، والدلالة التي نعنيها في هذه المقاربة، ينصرف نحو كل ماله علاقة باكتساب المعارف وتنميتها من جانب، والتأدب في معناه السلوكي والأخلاقي من جانب آخر، فالثقافة لها دور وتأثير مباشر وغير مباشر في الارتقاء بالإنسان وفكره، وتهذيب روحه وأخلاقه.

والحديث عن واقع الثقافة ومستقبلها في مجتمعاتنا، يأتي في ظل ما يمر به العالم من تطور تقني مذهل وكبير، يتسبب في حدوث تبدلات وتغيرات وتحولات سريعة الايقاع. فنحن اليوم نعيش زمن الثورة التكنولوجية والإعلامية والمعلوماتية، وتطور وسائل الاتصال والتواصل بين البشر، حيث ارتفع مؤشر استخدام وسائط تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات الحديثة بشكل واسع، سواء على مستوى الدول ومؤسساتها، أو في الحياة اليومية للأفراد.

والسؤال الذي ندعو للتفكير فيه هو: ما أثر وتأثير ما يدعى بثورة الإنفوميديا «الإعلام والمعلوماتية» على معارف الفرد ووعيه وثقافته من جانب، وعلى سلوكه وأخلاقه وطباعه من جانب آخر؟ وكيف نقيم واقع مجتمعاتنا اليوم في ظل هذه الثورة؟ وما هو المستقبل الذي ينتظرها في قابل الأيام؟

لقد أضحت وسائل التقنية الحديثة، من دون أدنى شك، تلعب اليوم دوراً أساسيا في تشكيل وعي الفرد وثقافته في مجتمعاتنا، فالطوفان الإعلامي والمعلوماتي الحالي له تأثيره البالغ في هيكلة ثقافة الفرد، فهو رافد من روافد ثقافتنا، وبه تتشكل عقولنا وعقول أبنائنا، ومن خلال ذلك، يتم قولبة أخلاقنا وقيمنا، التي ينبع منها سلوكنا وتصرفاتنا، فالبرامج الثقافية الرصينة، والندوات والمحاضرات الهادفة، مثلها مثل الأفلام والأغاني الهابطة، و«التغريدات» السطحية، والرسائل النصية المتواضعة، والإشاعات التي ينقلها الهاتف النقال بالصوت والصورة والنص، كلها يمكن أن تؤثر، سلبا أو ايجابا، في وعي الفرد، وتساهم في تشكيل ثقافته، وسلوكه وطباعه.

هوس اقتناء وسائل التقنية الحديثة

ونتيجة الوفرة المالية، تحول اقتناء وسائل التقنية الحديثة إلى هوس عند الكثير من الناس، وأصبح ظاهرة مرضية، فالأسواق تعج بآخر المكتشفات والاختراعات والأجهزة الالكترونية، والمستهلك الخليجي دائما ما يعمل على تغيير واستبدال مقتنياته، خاصة تلك التي تتعلق بالمظاهر أو الوجاهة الخارجية، حيث أن أعين المنتجين معقودة على أسواق بلدان منطقة الخليج، بسبب معرفتهم الجيدة بحمى الاستهلاك، والمظاهر الاستعراضية التي تتصف بها المجتمعات هذه المنطقة.

ولا يقتصر هوس الاقتناء على شراء واستبدال المقتنيات فقط، بل أيضا من خلال الإسراف المفرط في استخدامها لأغراض هامشية أو سلبية، حين تُدفع المبالغ الطائلة للاتصال بقنوات السحر والشعوذة والمسابقات والطرب وغيرها من البرامج التي تعتمد على اتصالات المشاهدين، أو المستمعين، فمع تطور وسائل الاتصال والتواصل الحديثة، استغل أصحاب هذه المحطات وسائل التقنية الحديثة، واستعانوا بأدوات التواصل المعاصرة لتحقيق مآربهم، من خلال الانترنت والفضائيات والرسائل القصيرة، وتحويل رصيد التليفون المحمول للتواصل مع الجمهور.

في السنوات الأولى لدخول الإنترنت كانت الرسائل الإلكترونية يُعمل لها «فورورد» «إعادة توجيه»، ما بين صناديق البريد الإلكترونية الشخصية، والمجموعات البريدية، والتي كانت تحتوي على كم هائل من المعلومات المغلوطة، والرسائل السطحية والتسطيحية، حيث يختلط فيها الغث بالسمين. واليوم ومع تطور أجهزة الاتصال الذكية، والتي اصبحت في كل يد، فإن مشكلة الفورورد ما زالت كما هي قائمة.

لقد أصبحنا مسرفين ومبالغين ومندفعين في تعاملنا مع التقنية وأجهزتها وبرامجها، حيث المبالغة في مشاهدة التلفاز، والقنوات الفضائية، والألعاب الالكترونية، والإسراف في الدخول على الانترنت، وتصفح المقروء منها والمسموع، والإغراق في مشاهدة المرئيات بالساعات الطوال، ولو على حساب ساعات النوم، والعائلة، أو ساعات الاجتماعات والجلسات العائلية، ولو على حساب العمل والفرائض والواجبات، ثم جاءت الهواتف الذكية لتنقل كل تلك التقنيات في حقيبة اليد، وجيب الثوب، لكي لا ينفصل أحدنا عن عالمه الافتراضي، وبالتالي ينقطع عن عالمه الواقعي بكل ما فيه من حقوق وواجبات.

ومع تطور تقنيات الاتصال وتعدد وسائلها وابتكار هواتف متحركة مرتبطة بالإنترنت على مدار الساعة، أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي، أو الإعلام الاجتماعي «الفيسبوك، والتويتر» تشغل حيزاً كبيراً من الحياة اليومية للأفراد في المجتمعات الحديثة، حيث أصبح الادمان على استخدام الأجهزة الذكية في التواصل الاجتماعي، يشكل تهديدا حقيقيا لعملية التواصل المباشر بين البشر، فها نحن نرى الكثيرين لا يتورعون عن استخدام هذه الاجهزة في التصفح، وقراءة الرسائل، ومتابعة جديد العوالم الإلكترونية، والعالم الافتراضي، حتى وهم في متواجدون بين الناس، وبين اهاليهم وأصدقائهم في الواقع الحقيقي، مما يؤثر على نشاطاتهم وتفاعلاتهم مع العالم الواقعي، ويفقدهم الارتباط والصلة به، ويكبلهم عن أداء واجباتهم الحقيقية.

ضياع الأوقات

لقد تركت مظاهر الحياة الحديثة، وطغيان منتجات الصناعات التكنولوجية وأجهزتها المتطورة، أثرا سلبيا على حياة الإنسان في مجتمعاتنا، فأدى اقتناء وسائل التقنية الحديثة، والتعامل السلبي مع التكنولوجيا، إلى ضياع الأوقات وتبديدها واستهلاكها فيما لا فائدة فيه، ومن دون جدوى تذكر، وبشكل غير مسؤول، على الرغم من أهمية الوقت البالغة في حياة المجتمعات ورقيها وتقدمها، فنحن نتعامل مع قيمة الوقت بطريقة خاطئة، ونضيع كثيرا من أوقاتنا، أو بمعنى أدق نقتلها ونبددها ونهدرها فيما لا يفيد.

فكم هي الاوقات التي يهدرها الانسان في اللهو والعبث أثناء استخدامه منتجات وتقنيات الحضارة الحديثة، فبدل أن تكون هذه الصناعات التقنية والتكنولوجية وسيلة للمعرفة والتواصل والإنتاج والعمل والرقي بحياة الانسان، والتخفيف من أعباء وثقل الحياة عليه، تحولت إلى وسيلة لاستنزاف الوقت والجهد والمال والعمر، وتعطيل الإنتاج والعمل.

إن وسائل وأجهزة ووسائط الإعلام والتقنية الحديثة صُنعت أساسا من أجل خدمة الإنسان، وتيسير وتسهيل حياة الناس، وهي اليوم أحد ادوات ومصادر المعرفة الاساسية، إلاّ أن ثقافة المستخدم، ومدى وعيه وإيمانه وإدراكه للهدف منها، هو ما يحدد طريقة استخدامه لها سلبا أو ايجابا.

فهذه الوسائل يمكن أن تكون وسيلة للتسلية والدردشة والغيبة والنميمة والقيل والقال، والدخول في مغامرات عاطفية، والمغازلة والخيانة وإفساد القلوب، والتلاعب بالعقول، وقتل الوقت وتضييعه، ونشر الرذيلة والسفه والكلام المنبوذ، ومنابر للفتنة والتحريض والتعصب والتشدد والغلو، ومجال مفتوح للمهاترات والصراعات والنزاعات والخصومات والقذف والشتم والتشهير والعنف اللفظي والاتهامات المتبادلة.

كما يمكن أن تكون هذه الأدوات وسيلة لتنمية الذات الفردية، وبناء النفس، وتهذيب الاخلاق، وكسب المعرفة، وتنوير المجتمع، والتواصل الخلاق، والتأثير الايجابي في توجيه الجماهير والرأي العام، ونشر الكلمة الطيبة والمحبة والحكمة والفن والأدب وأفكار التسامح والتقارب وحقوق الانسان وتبادل الخبرات.

وحين يعيش الإنسان طوال يومه قارئا ومتابعا ومشاهدا من على جهازه المحمول، أو من خلال حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي، اللقطات والمقتطفات المبتسرة والسريعة والمتتالية حول كثير من الامور والقضايا المختلفة والمتنوعة، والانفعال والتفاعل معها، وإعادة إرسالها ونشرها وترويجها من جديد، فإن ذلك لا يترك فرصة لهذا الإنسان كي يستوعب ويتأمل، أو يفكر ويتبصر في ما يأتيه من معلومات.

إن هذا الكم الهائل من المعلومات، والإثارة، والتسلية، والعنف، والصور المتدفقة، تهدر وقت الفرد، وتأتي على حساب التراكم المعرفي الجاد، والتحصيل الثقافي البناء، وبالتالي فهي على حساب النشاط العقلاني المتبصر، وقدرة العقل على الاستيعاب والفرز والتفكير والتحليل المنطقي، وممارسة النقد.

تنمية عادة القراءة

في حال عدم وجود قاعدة فكرية متينة ترتقي بالإنسان ومستواه العلمي والثقافي والفكري والمعرفي، فإن فكر الخرافة والتخلف بالتأكيد سوف يزحف ويهيمن ويسيطر على العقول ويلغي فاعليها، لأن العقل لا يحتمل الفراغ، فإن لم تملئه بالأفكار الخيرة والنبيلة، فإن الأفكار المنحرفة والمتخلفة والشريرة لن تدعه يهنأ بفراغه.

لذلك من المهم تنمية ثقافة القراءة وتقاليدها بيننا، وترسيخها عند أبنائنا منذ الصغر، لتتحول فيهم إلى عادة راسخة تكبر معهم وتنمو مع نموهم، كما هو حال بعض الشعوب في الدول المتقدمة حضاريا، والتي تحولت فيها هذه العادة إلى نمط حياة وسلوك يومي، ليس فقط عند الكبار، بل أيضا عند الصغار أيضا، حيث تُستغل وسائل التقنية الحديثة في التشجيع على ممارسة القراءة والتدريب عليها، وتطوير مهاراتها، وصقل قدراتها، وتنمية القدرات الذاتية للفرد، بدل العبث واللعب بأجهزة الحاسب، أو الآي فون، أو الآي باد، كما نشاهده عند أبناء مجتمعاتنا، الصغار منهم والكبار.

والسؤال الذي نطرحه في سياق حديثنا عن علاقة وسائل التقنية الحديثة بموضوع القراءة، وانعكاس ذلك على واقع مجتمعاتنا هو: إن كان لوسائل التقنية الحديثة مثل الآي باد، والنت، والتويتر، والفيس بوك، وغيرها، أثر على ثقافة القراءة في مجتمعاتنا؟ أم أن جل استخدامات هذه الأدوات تتركز على المحادثات والألعاب ومشاهدة الأفلام والمباريات وغيرها؟

ختاماً

ليس أمامنا اليوم في مواجهة هذا الزحف التقني والتكنولوجي الحديث، وما يصاحبه من طوفان إعلامي ومعلوماتي هائل يقتحم صروح مجتمعاتنا، إلا الاهتمام بالمسألة الثقافية، والنهوض بها، وايلائها ما تستحقه من رعاية واهتمام حقيقي، من خلال نقد ومراجعة وتقييم واقعنا الثقافي، وما يعانيه من خلل وضعف، فالثقافة تلعب دورا مهما في البناء الحضاري والروحي والقيمي والإنساني، وهي شرط من شروط تطور المجتمعات، ومقاومة كل أسباب الضعف والترهل والتفتت والتمزق والخواء الداخلي.

إن طغيان النزعة الاستهلاكية، وحب المظاهر السطحية، والمبالغة في الاهتمام بالشكليات الفوقية على حساب الاهتمام بالمحتوى والمضمون والجوهر الفكري للأشياء، وفقدان الاهتمام والحماسة والانجذاب للأفكار التغييرية الخلاقة، هو أمر يحتاج الى التوقف والمراجعة والتدقيق، والبحث عن سبب الانجذاب لما هو فرعي وثانوي وهامشي، وتراجع ما هو مركزي وأساسي، وما أثر وتأثير التقنية الحديثة، ومنتجاتها المختلفة، في هذه النزعة الاستهلاكية؟ وما هو دور الثقافة الجادة في التصدي لهذه النزعة؟

لن تكون التقنية الحديثة ذات جدوى ثقافية، حين يتم التعامل مع منتجاتها على أنها فقط مادة للاستهلاك، من خلال التسلية والترويح والمتعة والمشاهدة وقتل الوقت من دون بذل الجهد للاستفادة من الفرص التي توفرها هذه التكنولوجيا للارتقاء بنوعية حياة الإنسان، وتطوير وعيه وثقافته.