آخر تحديث: 28 / 3 / 2020م - 11:43 م  بتوقيت مكة المكرمة

عندما ينزف قلمي

سوزان آل حمود

تعجبني كثيرا مقولة الشيخ علي الطنطاوي - رحمه الله : «إن عمادي هذا القلم، وإنّه لغصن من أغصان الجنّة لمن كان يستحقها، وإنّه لحطبة مُشتعلة من حطب جهنّم لمن كان من أهل جهنّم».

القلم وما ادراك ما القلم شخص يكتب ما نشعر به يتألم وينزف لآلامنا يستمع الينا ويخط ما نريد لا يتوقف الا اذا اردنا لا يمل من احاديثنا ولا يصاب بضجر وهو يرافقنا ننزف حبره حتى ننهيه!! ويظل يحبنا!!

انا هنا لن اتكلم عن القلم نفسه ولكنني اتكلم عن ما وراءه هذا القلم من اشخاص من وقفوا ورائه؟

من كتبوا احاسيسهم بسعادتها وحزنها بحبره، اناس خطوا الجميل من شعر قصة مقال رواية او ذكريات

ونحن عندما نعبر ببساطة عما يخالجنا من الم.... و.... سعادة جميعنا عندما اهدينا للأقلام آلامنا او سعادتنا نشعر بسعادة فائقة وانزياح للألم.

كثيرا ما أتأمل في هذا المعنى الجميل الذي يخفي وراء جماله رسالة مهمة لكل من يمسك القلم وينبري للكتابة.

لاشك أن الكتابة مهمة جليل أثرها وعظيم قدرها، فهي قناة لا يستهان بها في توجيه الرأي العام، والتأثير على العقول والمفاهيم، وهي سلاح ذو حدين.. الكلمة الطيبة التي ترفع صاحبها وأيضا الكلمة الخبيثة التي توبق كاتبها. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَلِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم: 24 - 27]

قال ابن الهيثم: ”من جلالة القلم أنه لم يكتب الله كتاباً إلا به، ولذلك أقسم به. الأقلام مطايا الفِطن ورسل الكرام. وقيل: البيان اثنان: بيان لسان، وبيان بَنَان، ومِن فضل بيان البنان أنَّ ما ببيَّنته الأقلام باق على الأيام، وبيان اللسان تدْرُسه الأعوام“

وإني لأتعجب من أولئك الكُتاب الذين سلم منهم أعداء الأمة المتربصين بها، ولم يسلم منهم أهلُ العلم والدعوة والإصلاح! حتى تاه البسطاء فلم يجدوا طريقا لرموز الأمة من أهل الفضل والعدل، وحار الفضلاء من تشويه النجباء، واختلط الحابل بالنابل، والغث بالسمين، ودخلنا طريق التيه الذي لا نجاة منه.

وحتى ينزف القلم لابد من جرحه!

فحين يجرح القلم يأخذ ردحا طويلا من الزمن كي تشفى جراحه، مصيبتنا جميعا إننا لا ندرك هذا ولا نتصور أن يجرح القلم، ولا نشعر بمدى ألمه ولا إنكسار خاطره!

القلم هو الممثل الشرعي الوحيد لأفكار أي كاتب يحاول أن ينثر ما يحملة بين جنباته من فكر، والكتاب أنواع فمنهم من يريق دمه وروحه مع أنسياب حرفه بصدق ومنهم من أبتاع مصلحة وعرض دنيوي رخيص بأحرفه ومنهم من لا يكتب إلا حين يجد نهر الاحرف قد تفجر بقلبه، فنحن أمام كاتب مأجور وكاتب محترف ومبدع، وتبقي للقلم قيمته وقامته السوية التي وأنجرحت فأنها تستعيد عافيتها بفضل مثابرة ونقاء صاحبها، وفي أحيان كثيرة يزيد ألم الجرح من صلابة مواقف صاحبه بعد ان يكون نزف حتى جف حبره لكنه رفع من شأن فكره إذا كانت عزيمته صلدة وضميرة يقظ.

لديّ أسئلة كثيرة منها: -

هل يأتي يوم يتوقف معه نزف القلم ولماذا؟

متى نشعر بضرورة توقف نزف بعض الاقلام؟

هل ما نكتبه يعد لصالحنا او ضدنا؟

نصيحتي لكل من يكتب بالقلم

”إذا أردت أن يبقى ذكرك بعد موتك، فافعل واحداً من اثنين: أكتب شيئاً يستحق أن يُقرأ أو افعل شيئاً يستحق أن يُكتب“

فالقلم نعمة أمتنّ الله بها على بني آدم، ولعظمه أقسم الله به، وبما أنك من حملته فاعرف لهذه النعمة حقها واشكر الله عليها، وعظم أمرها واحرص على أن يكون سبباً لميلاد جديد تحيا به بعد موتك.

أسْمِع بقلمِك، أو صوِّر، أو ارسم به ما تريد، ولكن لا تنسَ أن تخلط رنَّته أو شكله أو حبره بالأخلاق العظيمة، فبدون هذه الصفةِ الأخيرة لن يحلو الصوتُ، ولن تظهر الصورةُ جميلةً، ولن يزدهي الخط جمالًا؛ وبالتأكيد لن تكون إنسانًا رائعًا بدونها؛ وربما لن تنال الثواب من الله إلا بها.