آخر تحديث: 21 / 2 / 2020م - 2:26 م  بتوقيت مكة المكرمة

المفاهيم والتعريفات العامة لموضوع الدراسة

محمد الشيوخ *

1 - الثورات السلمية:

يقصد بالثورات السلمية هي مجموع الانشطة والممارسات الاحتجاجية الشعبية السلمية الواسعة، التي تستهدف اولا اسقاط النظام القائم، ومن ثم احداث تغييرات جذرية وعميقة في مختلف الانساق والبناء الاجتماعي ككل، وهي على النقيض تماما من الثورات العنفية وفي مقدمها الثورات المسلحة.

ما هو ملفت للنظر ومثير للدهشة ايضا، ان كل الثورات التي اندلعت في العالم العربي عام2011م، بلا استثناء، كانت في الاساس ثورات سلمية خالصىة، سواء على صعيد الممارسة او على مستوى الشعار، بل ان الشعار الاساس والاكثر ترددا لدى المتظاهرين كان شعار «سلمية سلمية سلمية». وكان هذا الشعار يعبر عن منهج الثورة في تحقيق تطلعاتها وغاياتها. مثل هذا النهج احد اهم مصادر الشرعية والقوة والجاذبية للثورات العربية، الذي منحها زخما كبيرا، واكسبها تعاطفا شعبيا واسعا محليا واقليميا ودوليا.

كما ان صفة «السلمية» هي السمة الابرز للثورات العربية، وقد نالت هذه السمة اعجاب ودهشة العديد من المراقبين والدارسين لهذه الظاهرة الفريدة من نوعها. ومن جهة اخرى دلل هذا النهج على مشروعية الحراك وعدالة مطالب الثوار، ومستوى نضجهم السياسي ورقي نضالهم السلمي، كما وضع من جهة ثالثة الانظمة السياسية في زاوية حرجة، بحيث اصبحت حائرة في كيفية التعاطي مع المحتجين والمتظاهرين السلميين، خصوصا في ظل التغطية المباشرة لمجمل الحراك من قبل وسائل الاعلام المختلفة وفي مختلف الساحات العربية.

ولقد برز مصطلح الثورة السلمية والتي تسمى احيانا «الناعمة» او «المخملية» في مطلع التسعينيات، عندما استطاع المجتمع المدني في أوروبا الشرقية والوسطى من تنظيم اعتصامات سلمية للإطاحة بالأنظمة الشمولية. وسميت بالمخملية لعدم تلوثها بالدم واستخدام العنف، مما دعمت هذه التحركات مفهوم المجتمع المدني ووضحت أهميته في رسم السياسات الخارجية والداخلية لهذه الشعوب، دون حصرها في إطار حكومي، حتى أصبح دور المجتمع المدني كبيرا في مقاومة الاستبداد والطغيان من خلال الفعاليات السلمية[1] .

2 - الثورات المسلحة:

«الثورة المسلحة» هي عملية تمرد عسكري ضد النظام. وقد يكون مصدر هذا التمرد ناشئ من عملية انشقاق في صفوف الجيش او القوات المسلحة عن النظام أو نتيجة لجوء الثوار الى التسلح واستخدام السلاح للثأر من النظام أو كخيار اساسي لتحقيق غايات الثورة واهدافها، وفي. مقدمها اسقاط النظام. مصدر السلاح، سواء كان ذاتيا او مزودا من جهات أو اطراف خارجية لا يغير في المفهوم شيئا. فعملية التمرد ضد النطام والتوسل بالسلاح لتحقيق الغايات، بغض النظر عن مصدره، هو العنصر الاهم لوسم الثورة بتلك الصفة.

ما هو ملفت حقا، ان كل الشعوب العربية الثائرة، حرصت قدر الامكان، على المحافظة على سلميتها الى اقصى حد، وذلك لادراكها التام بفاعلية هذا النهج، باعتباره اسرع وأسلم الطرق لتحقيق غايات الثورة وكلفته الاقل بالمقارنة مع الخيارات الاخرى. مع ذلك الا ان الانظمة القمعية ومنذ البداية سارعت الى التوسل بالعنف المفرط ضد المحتجين والمتظاهرين، لاجهاض حركتهم. وقد استخدمت في هذا السياق بحق المتظاهرين اقسى درجات القمع والتنكيل بهم، وعلى اثر ذلك تم قتل العديد منهم إما دهسا او قنصا أو رميا بالرصاص أو عبر مختلف وسائل التعذيب الوحشي في غياهب السجون.

كان غرض الانظمة من ممارسة العنف والقتل ضد الثوار هو استفزازهم والدفع بهم الى مربع الاحتكاك والمواجهة المسلحة مع الانظمة خصوصا ان المعركة لن تكون متكافئة حينذاك، نظرا لماتتمتع به الانظمة من قدرات وامكانات وسلطات، وذلك لتحقق غايتين مهمتين: الاولى توفير الغطاء الملائم لاستخدام القوة ضد المحتجين، وبصورة اكثر وحشية وقساوة، وذلك بوصفهم متمردين على النظام ومناهضين للدولة.

والغاية الثانية تستهدف تشويه حراك الثوار الى جانب تضييق الخناق عليهم وتقليص رقعة التأييد الشعبي لهم، الامر الذي من شأنه أن يعزل الثوار شعبيا ويحجم الحراك الى اضيق الحدود ثم تكون عملية الالتفاف على الثورة او اجهاضها عملية يسيرة وغير معقدة.

ففي تونس، ومصر، واليمن والبحرين علىرسبيل المثال، عمدت الانظمة هناك باكرا على تشويه الثورات والتشكيك في دوافع الثوار ومن ثم استفزازهم لاخراجهم عن سلميتهم، ودفعهم لممارسة العنف، لكنها لم تتمكن من ذلك. وهذا عائد الى اسباب مختلفة، يستحسن دراستها. مع ذلك ففي مصر وتونس تحديدا لم تحدث صدامات عسكرية بين المتظاهرين والجيش، لأن الجيش اتخذ موقعاً محايداً الى حد ما. وقد غلب على الثورة في هذين البلدين شكل الصراع المدني السلمي، مع الاقرار بوجود مناوشات بين بعض المتظاهرين وافراد من لاجهزة الامنية التابعة للنظام ومن بينهم كان يرتدي الزي المدني، الامر الذي ادى الى مقتل وجرح العديد من المتظاهرين واحداث ربكة في صفوفهم. لكن في النهاية تمكن الثوار في تلك الدول وخلال بضعة اسابيع من اسقاط رأسي النظام هناك، وكانت اعداد الضحايا بالمقارنة مع ماجرى في ليبيا وسوريا مثلا قليلة جدا، وكذلك الخسائر والاضرار المادية ايضا.

اذن في ليبيا وسوريا، كان المشهد مختلفا تماما، اذ لجأ النظامان هناك الى العنف المفرط واستخدما الاسلحة والآليات العسكرية الثقيلة كالدبابات، والطائرات، والصواريخ ضد المحتجين، مما اتاحا الفرصة للتدخل الخارجي عسكريا عبر حلف الناتو، كما في الحالة الليبية، وكذلك تم تدويل الازمة السورية وتعقيدها، وذلك نتيجة للاستخدام المفرط للقوة ضد المحتجين، وتغليب الخيارات الامنية والعكسرية على الحلول السياسية في ادارة ومعالجة الازمة.

وبحسب مناهضي الانظمة التي توسلت بالعنف المفرط حيال المتظاهرين، فأن عملية «عسكرة الثورة» هي رد فعل في المقام الاول على عنف النظام، وان استخدامهم للسلاح الغرض منه تمكينهم من حماية انفسهم من بطش النظام، الى جانب الثأر ومن ثم المضي قدما باتجاه تحقيق اهداف وغايات الثورة وعلى رأسها الاطاحة بالنظام. لقد تم عسكرة الثورة في ليبيا منذ الاسابيع الاولى من اندلاعها في 17فبراير2011م، بيما تم عسكرة الثورة في سوريا بعد ستة اشهر من اندلاعها وتحديدا في آذار/ مارس 2011م. وقد اقر النطام السوري في بادئ الامر بسلمية الاحتجاجات قبل عسكرتها وبعدالة المطالب ومشروعيتها.

ان لجوء الثوار الى استخدام السلاح، بصرف النظر عن مبرراته ومشروعيته وغاياته، يوفر الذريعة المناسبة للنظام لممارسة المزيد من القمع وتصوير ما يجري بوصفه ارهابا ضد الدولة والمجتمع. كما أن توسل الثوار بالعنف من شأنه ان يقلص دائرة التعاطف الشعبي مع الثورة، وهو على عكس ماتحققه الثورة السلمية، التي غالبا ما تحظى بتأييد شعبي واسع النطاق.

لعل ابرز مساوء الثورة المسلحة أو عسكرة الثورة، خصوصا في ظل عدم تكافؤ موازيين القوى بين الاطراف المتصارعة، هو إطالة أمد الصراع واراقة المزيد من الدماء والتدمير، الى حد انهاك المتصارعين احيانا. مضافا الى تضائل فرص احداث تغييرات جوهرية ينتج تحولا حقيقيا نحو الديمقراطية، خصوصا بعد انهاء الصراع لصالح الثوار.

ان الفرق بين الثورة السلمية والثورة العسكرية هو في آليات التغيير. الثورة المسلحة تسعى إلى إسقاط النظام بالقتال والقتل، فتحمل جماهيرُها السلاحَ وتخوض معارك مسلحة ضد الخصم «النظام» فتقتل عناصره وتغتال رموزه وتهاجم مراكزه بالسلاح، ويمكن أن تلجأ إلى العمليات الانتحارية لاستهداف مراكز وشخصيات أمنية، إلى غير ذلك من أوجه استعمال السلاح بكل شكل متاح. بالمقابل فإن الثورة السلمية ترفض أن تستعمل السلاح في فعالياتها الثورية وتعتمد على الضغط الجماهيري البشري السلمي [3] .

يشار الى انه ليس بالضرورة دائما ان تنزع الثورة منحى التسليح، كرد فعل على عنف وبطش النظام، إذ من الممكن ان تكون الثورة مسلحة من الاساس وبدون ذلك المبرر. ولكن، وفي كلتا الحالنين «حالة تسلح الثورة كرد فعل على عنف النظام، وحالة ان تكون الثورة مسلحة من الاساس»، يطلق عليها مسمى« الثورة المسلحة، بينما يطلق مفهوم »عسكرة الثورة" غالبا على الثورات التي بدأت سلمية ثم تحولت لاحقا الى ثورة مسلحة.

كما انه ليس بالضرورة ايضا ان تندلع الثورات المسلحة بغرض اسقاط النظم الحاكمة المحلية المستبدة فحسب، او ان يكون العمل المسلح هو خيارها الوحيد في المعركة، فهناك العديد من الثورات المسلحة حدثت ضد الاحتلال كما في فلسطين او ضد الاستعمار الاجنبي، وتوسلت الى جانب العمل العسكري بالعمل السياسي، كثورة التحرير الجزائرية التي اندلعت في 1 نوفمبر 1954 ضد الاستعمار الفرنسي، الذي احتلّ البلاد منذ سنة 1830، ودامت طيلة 7 سنوات ونصف من الكفاح المسلح والعمل السياسي، وانتهت بإعلان استقلال الجزائر يوم 5 جويلية 1962 بعد أن سقط فيها أكثر من مليون ونصف مليون قتيل جزائري، وذلك ما أعطى الجزائر لقب بلد المليون ونصف المليون شهيد في الوطن العربي.

وقد دارت الحرب بين الجيش الفرنسي والثوار الجزائريين، الذين استخدموا حرب العصابات بصفتها الوسيلة الأكثر ملاءمة لمحاربة قوة جرَّارة مجهزة أكبر تجهيز، خصوصاً وأن الثوار لم يكونوا يملكون تسليحاً معادلاً لتسليح الفرنسيين. استخدم الثوار الجزائريون الحرب البسيكولوجية بصفة متكاملة مع العمليات العسكرية [4] .

[1]  ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
[2]  ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
[3]  ديرانية، مأمون، موقع المندسة سورية، 24 أكتوبر، 2011
[4]  ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
باحث في علم الاجتماع السياسي