آخر تحديث: 21 / 2 / 2020م - 2:26 م  بتوقيت مكة المكرمة

المجتمع ومنعشوه 2

بدر شبيب الشبيب *

« هلك من ليس له حكيم يرشده ». يصدق هذا القول من الإمام علي بن الحسين على الفرد وعلى المجتمع. ومنعشو المجتمع هم أهل الحكمة فيه الذين صقلتهم التجارب، وامتلكوا رصيدا وافرا من الخبرة العلمية والعملية بشؤون الحياة الاجتماعية وإدارتها. وبناء على هذا فإنهم يمثلون في المجتمعات الناجحة مرجعية مهمة ترفد المجتمع بالرؤى الثاقبة والبصائر النافذة التي تحفظ الكيان الاجتماعي من تكرار التجارب الفاشلة، وتنبهه للمنزلقات الخطرة، وتوجهه نحو أفضل الطرق لتحقيق تقدمه ورفعته، وتوفر عليه الكثير من الجهد والوقت، لما تزوده بخُلاصاتها المنيرة التي تكفيه عناء مطالعة مجلدات الحياة الكبرى وموسوعاتها الضخمة.

المنعشون ليسوا نخبة فوقية تتعالى على الآخرين، بل هم جزء فاعل من المجتمع يندك مع همومه وتطلعاته، ويسعى جاهدا لخدمة كل أفراده بدون استثناء. المنعشون هم أعضاء اجتماعيون منغمسون في الهم الاجتماعي العام، لديهم من القدرات والمهارات الذاتية والفنية والإنسانية ما يؤهلهم للقيام بدور ريادي.

من تلك القدرات والمهارات مثلا؛ توفر بعض السمات الشخصية الجذابة لديهم، حيازتهم على قدر كبير من المهارات العقلية المتميزة في الربط والتحليل والتخيل والاستنتاج، القدرة على ابتكار الحلول، المبادأة، ضبط النفس، تحمل المسؤولية، التواضع الجم، الإنصات للآخرين، النظرة الكلية المحيطة، الاستقامة، القدرة على التفاعل والتكامل مع الآخرين، امتلاك القدرات والمهارات الإدارية الفذة،... الخ.

تتخيل بعض المجتمعات أن المنعشين هم «سوبرمانات» يستطيعون إيجاد كافة الحلول لأي مشكلة اجتماعية، وأن عصاهم السحرية لا تخطئ أبدا. وهذا التصور مرده إلى خيالنا المشبع بصور ذهنية غير واقعية عن «البطل» وما يمكن أن يفعله. فالبطل في مخيلتنا شخص استثنائي لا يتكرر، يستطيع أن يجر قاطرة المجتمع حيث يشاء بمجرد أن يضع حبل القاطرة بين أسنانه.

ونتيجة لذلك، فإننا لا نكتشف المنعشين الذين يعيشون بيننا، يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، إلا بعد رحيلهم. ننتبه متأخرين للخسارة الفادحة التي حلت بنا، والثلمة العظيمة التي أحدثها فراقهم، فنعوض ذلك بالمراثي الغارقة في الحزن الطويل والأسى المفجع، ثم ننام بعد أن ارتحنا من وخزات تأنيب الضمير منتظرين رحيلا آخر كي نصحو.

مسؤولية المجتمع في اكتشاف منعشيه الحقيقيين من أهم ما يساعد على رقيه وتطوره، والخطأ في تشخيص «الناصح الشفيق العالم المجرب» يؤدي إلى بقاء المجتمع رهن التخلف والتقهقر.

إن العلاقة بين المجتمع ومنعشيه هي علاقة اعتمادية تبادلية «interdependent»، فلا أحد من الطرفين يستغني عن الآخر. المجتمع يحتاج حكمة وخبرة منعشيه في توجيه مسيرته ودفعها للأمام، والمنعشون يحتاجون من مجتمعهم التعاون والتعاضد والتكاتف ورص الصفوف والتفهم. إن مجتمعنا بشكل عام بأمس الحاجة إلى إعادة رسم العلاقة داخله، وهذا يحتاج إلى تفاعل ديناميكي بينه وبين منعشيه، قائم على الاحترام المتبادل والتقدير المشترك وتحديد مجال وفضاء التحرك لكل منهما.

العلاقة كما قلنا اعتمادية تبادلية، إذ لا يمكن للمنعش أن يعمل بنجاح في بيئة اجتماعية لا تعترف به أو تئد أفكاره ورؤاه. وهذا ما يؤكده لنا تاريخ المنعشين الذين لم يلقوا من مجتمعهم سوى الصدود والسخرية والاستهزاء والاتهام، بل والكيد أيضا. المدرب الناجح لا يستطيع وحده تحقيق الفوز مهما كانت خطته فذة ورائعة، إذا لم يكن اللاعبون مستعدين لتطبيقها. طبعا في نهاية المباراة نستطيع - كما نفعل دائما - أن نتهم المدرب ونفصله، ونمعن في إبعاد المسؤولية عن أنفسنا بإلقاء التهمة على حكم المباراة والملعب والطقس أيضا، بل ربما نذهب إلى أبعد من ذلك باتهام شخص ما بعمل شعوذة سحرية أبطلت مهارات اللاعبين. المهم أن لا تقترب المسؤولية من ساحتنا.