آخر تحديث: 25 / 5 / 2019م - 10:18 م  بتوقيت مكة المكرمة

التكفير بابٌ من أبوابِ جهنم

حسن المصطفى * صحيفة إيلاف السعودية

الدولة المدنية الحديثة، تقوم على أساس متين، هو المواطنة التامة الناجزة، بين جميع أفرادها. حيث المواطنون على ذات الدرجة من المساواة، لا تمييز بينهم، ولا فروقات دينية أو عرقية أو جنسية.

القانون هو السيد في الدولة الوطنية، والاعتقاد شأن شخصي، لا يحق للدولة أو المجتمع أو أي شخص التدخل فيه. لأن حرية المعتقد، وحرية ممارسة الشعائر الدينية، وحرية الاختيار، هي حقوق طبيعية، كفلتها الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، وأقرتها مواثيق الأمم المتحدة.

فصل الدين عن الدولة، والبعد عن استخدام الدين في السياسة، هي قواعد من أبجديات الأنظمة المدنية الحديثة. وهي أنظمة تمنع التدخل بين المجالين المادي والروحي. هي تنظم الفضاء العام، بحيث تحفظ لكل شخص إيمانه، دون أن تكون هنالك إكراهات خارجية عليه.

هذا الفهم المتقدم للعلاقة بين الدين والدولة، ومركزية الإنسان في الأنظمة الحديثة، يفتقد له العديد من علماء الدين المسلمين، الذين لا يزالون يصنفون الإنسان على اُسس دينية. وهو تصنيف ينافي استقرار الدول وديمومتها، ويعرضها للتصدعات الداخلية.

في السعودية، حذر الملك سلمان بن عبد العزيز، أكثر من مرة من تصنيف الأفراد، وتقسيم المجتمع، على أسس مذهبية. فسياسة المملكة، قائمة على أساس أنها الحاضنة لجميع المسلمين، بمختلف فرقهم.

ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وفي أكثر من مناسبة، تحدث هو الآخر عن خطر الفكر المتطرف والأصوات الطائفية، لمعرفته بقدرتها التدميرية للمجتمع، ومناهضتها لمشروع تطوير الدولة!.

السعودية تعمل في هذه المرحلة على مشروع رؤية 2030. وهو مشروع ذو صبغة مدنية تحديثية، يقوم على دمج جميع المواطنين في عملية الإصلاح والتغيير، من أجل تنمية المملكة وصناعة مستقبلها، بعيدا عن الأفكار الماضوية الضيقة.

مشروع رؤية 2030، له أذرع عدة: اقتصادية، اجتماعية، ثقافية، سياسية، فنية، ودينية. من هنا بات الأمر ملحا لوجود إصلاح ديني، وخطاب حديث، يجمع ولا يفرق، ويدفع أبناء الوطن للقيام بواجباتهم، والمشاركة الفعالة في بناء كيان الدولة.

هذا الخطاب الديني الجديد، يحتاج لعلماء ومثقفين متخففين من ترسبات ”الصحوة“، ولديهم موقف واضح من الفكر المتشدد العنيف، وعلى قطيعة مع تراث التكفير، ويؤمنون عن قناعة بقيم الاجتهاد والتعددية والاختلاف واحترام الرأي الآخر.

الشخصيات الدينية التي تمتلك هذه المقومات قليلة جدا، وحتى الساعة لم تنضج تجربة الكثير منها، ولا يزال لديها موقف ملتبس تجاه الآخر المختلف، بسبب عقلية الغلبة والأكثرية، والشعور بالتفوق، وفائض القوة!.

لو أخذنا مثالا على ذلك، الشيخ صالح المغامسي، وهو عالم دين، يحاول أن يجترح خطابا وسطيا معتدلا، ويبتعد قدر الإمكان عن إزدراء الآخر. وهي مساعي يجب أن تشجع وتدعم، عبر النقاشات الحرة، والحوارات النقدانية.

المغامسي، وضمن برنامجه الرمضاني ”منابر النور“، تحدث عن الخلاف بين السعودية وإيران، وعن المسلمين الشيعة، محاولا الفصل بين الموقف من النظام في طهران، والموقف من الشيعة. إلا أنه في مسعاه هذا، وقع في عدد من الأخطاء المنهجية، التي يفترض على عالم دين مثله أن لا يقع في فخاخها، خصوصا في ظل الظروف السياسية والأمنية والمذهبية التي تعاني منها المنطقة العربية عامة، والخليج خاصة.

تحدث المغامسي عن أن ”الشيعة من حيث الجملة، مسلمون، مؤمنون“!. وهو حديث يقرأ بين طياته، أن هنالك تكفيرا مبطنا لشريحة من المسلمين الشيعة.

كان الأجدى بالشيخ المغامسي أن لا يستخدم عبارة ”من حيث الجملة“، فهي تدل أن هنالك استثناءات، وأن الشيعة ليسوا بأجمعهم مسلمون. وهذا تصنيف خطرٌ، يضر بالوحدة الوطنية، ويفتح بابا للتكفير، يتسربُ منه المتطرفون، الذين قد يمارسون عمليات ترهيب أو عنف أو قتل أو تفجير، بناء على أن هنالك فريق من الشيعة ”كفار“!.

علماء الدين، والمغامسي أحدهم، عليهم أن يعوا أن المعيار هو إنسانية الفرد أولا، ومواطنته ثانيا، والتزامه القانون ثالثا، ولا شيء آخر دون ذلك.

الإيمان والكفر، شأن بين الإنسان والله، وليس لأحد التدخل فيه، خصوصا أن الأفهام والاجتهادات والاعتقادات متنوعة. ولا يصح أن أحكم على فريق ما بالكفر أو الضلال، فقط لأنه اختلف معي في رؤيتي الفقهية أو العقدية.

الغريب أن المغامسي في ذات الحلقة يقول إن التكفير يحتاج إلى ”محاكمة، وقاضي، وشهود، وبيان للحق“. فكيف تحول هو ذاته إلى هؤلاء جميعا، وأمسك بناصية الأمور جمعاء في قبضة يده!.

خطأ آخر وقع فيه المغامسي، عندما قال ”وإن كنت أعلم أنهم يرون أنني كافر“، في معرض حديثه عن المسلمين الشيعة.

هذه اليقينية من أن الشيعة يرون كفر المغامسي، من أين أتى بها؟. هل هنالك فقيه أو مرجع دين شيعي معتبرٌ في الحوزات العلمية، أفتى بكفر الشيخ المغامسي؟. أم أنه اعتمد على قول شاذ مهجور، أو حديث لشخص جاهل نكرة، يفتقد للعلم والدراية!.

لقد تحدث المغامسي بصيغة الجمع، متهما عموما الشيعة بأنهم يكفروه. وهذا فضلا عن كونه كلامٌ غير صحيح جملة وتفصيلا، فإن فيه رمي لطائفة واسعة من المسلمين بأنهم مذهب تكفيري، لا يؤمن بإسلام مخالفيه.

المغامسي يتحدث بصفته صاحب فضلٍ على المسلمين الشيعة، بأنه ورغم تكفيرهم له، فإنه لا يكفرهم!. وكأنه يرد الإساءة بالإحسان. وفي ذلك تضليل بينٌ للمتابعين.

على الشيخ المغامسي أن يتحلى بالتواضع، وأن يكون أمينا، دقيقا، موضوعيا في مواقفه، حريصا على القواعد المنهجية أثناء الحديث حول القضايا الحساسة.

السعودية ودول الخليج العربي، دول بناها مواطنوها بمختلف مذاهبهم، جنبا إلى جنب. ضحوا من أجلها بجهدهم ومالهم وأرواحهم. هم بحاجة لخطاب وطني جامع، حكيم، كي يتجاوزا الخطابات الطائفية السنية منها والشيعية، والتي أضرت كثيرا بالسلم الأهلي.

إن الخلاف بين السعودية وإيران هو خلاف سياسي بحت، وليس خلافا دينيا، وهو ما أكدته القيادة السعودية، ووزير الدولة للشؤون الخارجية عادل الجبير، في أكثر من مناسبة.

نقطة التباين الرئيسة بين الرياض وطهران، تكمن في السياسة التوسعية، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، ودعم المليشيات الخارجة عن سلطة الدولة. وهو موقف مبدئي للسعودية، قائم على رؤية سياسية داعمة للسلم والاستقرار، وليست موقفا دينيا.

بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران 1979، أرسلت المملكة العربية السعودية موفدا رفيع المستوى، يحمل رسالة من الراحل الملك خالد بن عبد العزيز، هنأ فيها زعيم الثورة آية الله الخميني بانتصارها، وأبدى لساسة الدولة الجديدة، رغبة الرياض في علاقات حسنة، تحافظ على أمن وسلامة الخليج. كما دعمت المملكة، إيران، بكميات من الوقود كانت في حاجة له. أي أن السعودية لم تتخذ موقفا عدائيا من جارتها، كون من يتولى القيادة في إيران مرجع ديني شيعي. بل كما يخبرني مصدر مطلع، أن المملكة كانت تأمل أن تكون سياسة النظام الجديد أكثر قربا لها، خصوصا وأنه يرفع شعارات إسلامية، يفترض بها أن تترجم في صورة علاقات إيجابية، بعيدا عن النزعة الاستعلائية للشاه محمد رضا بهلوي، الذي كان يعتبر ذاته شرطيا للخليج.

على الشيخ صالح المغامسي أن يفصل بين الدين والسياسة، وأن لا يعطي للخلاف مع إيران بعدا مذهبيا.

نحن كسعوديين، نقف جميعا مع وطننا، ضد اي أطماع خارجية، أو مخططات لاختراق الساحة الداخلية وإثارة الاضطرابات، سواء كانت إيران خلفها أو قطر، أو سواهما من الدول والتنظيمات العابرة للحدود. لكننا في ذات الوقت نرفض الخطابات التكفيرية، الخشنة منها والناعمة، الكلية منها والجزئية، لأنها تهدد السلم الأهلي، وتقوض مشروع الدولة، وتدخل المجتمع في نزاعات دموية لا تنتهي.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
حسن عيد السيهاتي
[ سيهات ]: 12 / 5 / 2019م - 11:14 ص
مقال جميل ... بارك الله في فكرك وقلمك