آخر تحديث: 15 / 12 / 2019م - 11:57 م  بتوقيت مكة المكرمة

لازم النظافة ولازم الطهارة

الدكتور توفيق السيف * صحيفة الشرق الأوسط

عقَّب الأستاذ مجاهد عبد المتعالي، على نقاش سابق في هذه الصفحة، قائلاً إن العقل الإسلامي مطالب بالتحرر من خلطه المزمن بين ما سماه «لازم النظافة» و«لازم الطهارة» ««الوطن» 11 مايو/ أيار 2019». واختيار مجاهد لهذا المثال في غاية الذكاء والجمال، لأن فعل النظافة مادي، قابل لتوليد معنى روحي هو الطهارة. هذه المقارنة تختصر - في ظني - مفهوم علاقة الدين بالدنيا بتمامه.

أتفق مع الصديق مجاهد، على حاجتنا لإيضاح الحد الفاصل بين ما نصنفه داخل الدين وما نعتبره خارج الدين. وهي حاجة ملحة في هذا الزمان، وكل زمان يشهد تحول الدين، والكلام باسمه، إلى وظيفة ومصدر عيش. ففي حالة كهذه يتبارى المدعون حراسة الدين والحديث باسمه، يتبارون في توسيع دائرة التكاليف، حتى لا يبقى فعل إنساني خارجها. وحجتهم الثابتة هي أن دين الله شامل لكل فعل من أفعال الحياة. فإذا قلت لهم إن الأمر ليس على هذا النحو، وجهوا إليك السؤال المفخخ: هل ترى أن دين الله ناقص أو عاجز عن استنباط حكم في موضوع جديد؟ لتفكيك هذا التداخل، وتوضيح المسألة، سأعرض نقطتين؛ الأولى في خطأ القول بأن دين الله شامل، لا سيما في المعنى المتداول عند الناس، وهو موافق للقول المأثور «ما من مسألة إلا ولله فيها حكم». أقول إن هذا نقاش قديم. وقد سبق أن دار بين فقيهين هما يوسف البحراني «ت - 1772م» وأحمد النراقي «ت - 1828م»، حين استدل الأول بالآية «ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء» «النحل 89» والآيات والأحاديث التي تماثلها. فرد عليه النراقي بأن المقصود فيها، هو تبيين ما يجب على الخالق بيانه، أو يقتضي الحال أو اللطف بيانه، لا كل شيء على نحو الإطلاق. فالبديهي أن كثيراً من أمور الدنيا، لم تبين في القرآن الكريم ولا في السنة الشريفة. وذلك لأنها ليست مما يجب بيانه، بمعنى أنها خارج دائرة الشريعة والتكليف. كما أن عدم البيان لا يوجب الظن بالنقص، فترك البيان لما ليس مطلوباً، ليس مظنة نقص، بل لعل بيان غير المطلوب يعد تكلفاً. والتكلف مما يعاب على الكامل.

النقطة الثانية: أن غالبية الناس - ولا سيما المشتغلين بالعمل الديني - قد خلطوا بين معنيين للدين مختلفين تماماً؛ أولهما الشريعة كمنظومة واجبات وتكاليف تقيد حرية الفرد. والثاني الدين كمنظومة روحية تمنح الفعل قيمة. يضم المعنى الأول ما يفعله الإنسان «مجبراً»، لأنه واجب عليه، مثل صوم رمضان وعدم الكذب مثلاً. بينما يتسع الثاني لكثير من أمور الدنيا، دون أن يولد إلزاماً، أو حرجاً على الإنسان، بل ربما زاده حباً لعالمه وارتباطاً به. من ذلك مثلاً أن تزرع شجرة في حديقة بيتك أو في الصحراء، وتستذكر في نفسك أن هذا مما يحبه الله. هذا يسمى بالنية، وهي المدخل إلى توليد المعنى في الفعل. ومثله أن تساعد جارك الفقير، لأنك تحبه، أو لأنك ترغب أن يكون محيطك الاجتماعي محباً لك. لكنك تستذكر أيضاً أن أحب الناس إلى الله أنفعهم للضعفاء من خلقه. أفعال كهذه دنيوية بحتة، وغير واجبة بالمعنى الفقهي. لكن استذكار معناها الروحي يحولها إلى طريق لنيل رضا الله سبحانه، فتصبح أفعالاً دينيةً.

أظن هذا كافياً لبيان الخيط الواصل بين «لازم النظافة» و«لازم الطهارة»، أي بين الديني والدنيوي.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.