آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 1:49 م

قاصرات في سوق النخـاسة

سكينة المشيخص * صحيفة اليوم

ماذا يعني زواج سبعيني أو ثمانيني بطفلة في العاشرة من عمرها؟ هذا السؤال أكبر من أن ينظر إليه في إطار ما هو حلال أو حرام، ولا يبدو أن هناك ما يحرمه ولكن هناك ما يجرمه دون معطيات أو مقتضيات موضوعية تراعي قابلية الطرف الضعيف وهو الطفلة في دخول الحياة الزوجية وهي غير مهيَّأة لذلك نفسيًّا واجتماعيًّا وبيولوجيًّا وفسيولوجيًّا، ونهايات هذا الزواج لا يتوقع لها أن تكون سعيدة على الإطلاق، ودوننا زيجة طفلة القصيم التي زوّجها والدها لثمانيني مع معارضة الأم التي لجأت للقضاء لفك الارتباط.

واقعة أخرى تكشف مفارقات هذا الزواج غير السعيد وغير المتكافئ وهي التي زوّج فيها أب طفلته لخمسيني رفض كل المحاولات لإنهاء هذا الزواج الى أن استجاب في خاتمة المطاف لأمير المنطقة، وهو ولي الأمر، وأنهى الزواج، والحالات رغم قلتها إلا أنها من واقع الجانب الصادم فيها وعُمق أثرها في النفس تبدو كما لو كانت في سياق الظاهرة، وليس آخرها تزويج بنت العاشرة التي تدرس في الصف الخامس الابتدائي بالمنطقة الشرقية من رجل يكبرها بخمسة عشر عامًا، وذلك فيما يعاني المجتمع من العنوسة، بمعنى أن المؤهّلات لسن الزواج بمئات الألوف ويتم زواجهن بذات السرعة وإكمال نصف الدين والحصول على الواجبات والحقوق الزوجية منهن.

لسنا بصدد إحصائيات لهذه الزيجات، لأنه من الصعب الحصول على أرقام دقيقة ولكن في التقديرات ما أشار اليه عضو في هيئة التدريس بجامعة الملك محمد بن سعود الإسلامية من أن 5622 فتاة سعودية زُوّجن أخيرًا، وهن دون سن الـ14 عامًا، وهؤلاء في الواقع ضحايا لحرمانهن من التطور الطبيعي وفهم وإدراك الحياة وقيمة الزواج، وأيًّا كانت مبررات أولياء الأمور فإن فكرة تزويجهن بعدم رضاهن وفي هذه السن المبكرة ينطوي على متاجرة لأن ما يحصلون عليه هو المقابل الحقيقي الذي يروّجونه، وذلك لا يسترهن أو يحافظ عليهن وإنما يتسبب في مشكلات تعلق بهن من التجربة وتنتهي بهن نهايات غير سعيدة.

في إطار البحث عن معالجات لحالات زواج الصغيرات من كبار، طالب مفتي عام السعودية ورئيس هيئة البحوث العلمية والإفتاء الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ الجامعات السعودية بضرورة درس هذا الزواج من الناحيتين النفسية والاجتماعية، نظرًا إلى كثرة المستفتين في هذا الموضوع، وتلك الكثرة تعني اتجاهات مبطنة للتوسّع في مثل هذا الزواج، وذلك يكشف عن توجّس وعدم إدراك للاتجاهات الفقهية التي تجيز التزويج في عمر صغير، وذلك حسن ومطلوب، فكثير من الزيجات تتم «خبط لزق» وتدمّر حياة الصغيرات.

نأمل أن تنتهي تلك الدراسة سريعًا وألا تعوقها البيروقراطية، فالبُعد الإنساني في هذه القضية هش ويتطلب مراجعات حقوقية وشرعية، وعلى «حقوق الإنسان» أن تبادر بنفسها لدراسة هذا الزواج وتأثيراته الضارة بنفسية الصغيرات ومستقبلهن، لأن الزواج حينما يتحوّل الى تجارة وبيع للأنفس تضيع قيمته ومعانيه النبيلة وتتهدم أركان الأسرة، فنفسيًا سرعان ما تدرك الصغيرة أن المسافة العمرية مع شريكها أكبر من أن تتعلق بالزمن والوقت وإنما هناك فروقات كبيرة بين الأجيال وأنماط تفكيرها ورؤيتها للحياة ما يخلق فراغًا عاطفيًا ونفسيًا لا تملؤه المبالغ المالية التي ينتفع بها والدها، فتتضاعف الخسارة.