آخر تحديث: 18 / 8 / 2019م - 2:52 ص  بتوقيت مكة المكرمة

ماذا يُريد بنا هذا العاصوف؟

فاضل العماني صحيفة الرياض

تغيير الخط خط النسخ العربي تاهوما الكوفي العربي

يبدو أن لا حديث هذه الأيام إلا عن مسلسل العاصوف الذي تحوّل إلى ”مائدة رمضانية فنية“ يتناولها/ يتذوقها كل أفراد العائلة السعودية والخليجية التي وجدت في هذا العمل الدرامي المثير رحلة مشوّقة إلى ”الأمس الجميل“ بكل ما فيه من بساطة وعفوية وتسامح، وبكل ما يحمل من أفكار وأحداث وقصص.

مسلسل العاصوف الذي قسّم المجتمع إلى فسطاطين: مؤيد ومعارض، يؤكد من جديد قيمة وأهمية وتأثير الدراما والفن عموماً، كقوة ناعمة مهمة تملك القدرة على تشكيل وتأطير وتوجيه الرأي والفكر العام الجمعي بكل سلاسة وذكاء وإقناع، بعكس تلك الطرق والأساليب والوسائل التقليدية المباشرة التي لم تعدّ تجذب أو تؤثر في فكر ومزاج الأجيال المختلفة، لا سيما الأجيال الشابة التي تعشق الفنون بمختلف أشكالها ومستوياتها.

والمتابع لوسائل وشبكات التواصل الاجتماعي التي تُعد المؤشر الحساس والدقيق لنبض المجتمع السعودي والخليجي، يُدهش من حجم المتابعة والجدل والنقد الذي يزداد كثافة بمجرد الانتهاء من عرض إحدى حلقات هذا العمل الدرامي المثير الذي يتصدر وبفارق كبير جداً قائمة أهم الأعمال الفنية العربية في هذا الشهر الكريم.

في المقال السابق ”العاصوف.. تجسيد للحقيقة أم تشويه للصورة“، ذكرت بعض الهواجس والمخاوف التي يحملها البعض ضد هذا المسلسل المثير للجدل والذي يؤرشف ويوثّق لحقبة زمنية صاخبة من عمر الوطن، وفيما تبقى من هذا المقال، سأرصد بعض التموجات والرسائل التي مررها مسلسل العاصوف بكل ذكاء وحرفية:

استطاع مسلسل العاصوف أن يُعلّق ”جرس الأسئلة“ في ذهن المشاهدين بمختلف أعمارهم ومستوياتهم، مُستفزاً حاسة النقد العفوي التي تنامت بشكل كبير في المجتمع السعودي والخليجي. باختصار شديد، استطاع العاصوف أن يجعل من كل مشاهد ”ناقداً فنياً“، يتحدث عن الحوار والسيناريو والديكورات والحبكة الدرامية وتطور الشخصيات وغيرها من التفاصيل الدرامية.

كما حرّض العاصوف بما يعرض من أحداث وتواريخ ومواقف، على قراءة واستحضار التاريخ، وذلك للإجابة على الكثير من الإشكالات والتساؤلات التي صدمت المشاهد والمتابع لهذا العمل الدرامي الذي يتكئ على حقبة تاريخية هي الأكثر جدلاً وإثارة في تاريخ الوطن، بل والعالم العربي بأسره.

كذلك أظهر العاصوف وبشكل واضح حياة التسامح والاعتدال التي كان يعيشها المجتمع السعودي، سواء في أفكاره وقناعاته وسلوكياته، بحيث لم تكن الفروقات المذهبية والعرقية والثقافية تُمثّل حاجزاً أمام تلاحم وترابط مكونات وتعبيرات الوطن، بل على العكس تماماً، فقد كانت مصدر ثراء وتميز، وهذا ما أكده وبشكل قاطع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في لقائه التاريخي في منتدى الاستثمار العالمي في العاصمة الرياض: ”نحن نعود إلى ما كنا عليه، وهو الإسلام الوسطي المعتدل والمنفتح على العالم وعلى جميع الأديان والتقاليد والشعوب“.

العاصوف عمل درامي يوثّق لمرحلة مهمة من تاريخ الوطن، ولكنه أيضاً، يُمارس عصفاً مجتمعياً مذهلاً، هدفه الكبير: عشق الوطن.