آخر تحديث: 5 / 4 / 2020م - 10:52 م  بتوقيت مكة المكرمة

دفن الإمام الحسين... بين شهرة المتقدمين وعقيدة المتأخرين

الشيخ عباس الموسى

لم ينته اليوم العاشر من محرم الحرام من سنة 61هـ إلا والجثث الزاكيات مطرّحة في ميدان المعركة، فهنا يربض جسد الحسين ، وهناك يمتد جثمان أخيه أبي الفضل العباس ، وهنا جمعت نجوم من أجساد آل أبي طالب وترقد جثمان كواكب الأنصار. والسؤال الذي هو مثار جدلٍ: متى دفنت هذه الأجساد الطاهرة؟ ومن دفنها؟.

وتحرير الكلام يكون في نقطتين:

1 - متى دفن الإمام الحسين وشهداء الطف الكرام؟

2 - من دفنهم في تلك الأرض المباركة؟

أما النقطة الأولى:

اختلف المؤرخون في يوم مدفنه على ثلاثة أقوال:

ا - اليوم الحادي عشر وهو مختار جملة من المؤرخين منهم ابن شهرآشوب، والمسعودي والبلاذري وابن كثير والطبري وابن الأثير [1] . وهو الظاهر من الشيخ المفيد في إرشاده ومن تبنى رأيه كما سيأتي في النقطة الثانية حيث قال: «وأقام - يعني ابن سعد - بقية يومه - يعني اليوم العاشر - واليوم الثاني - يعني اليوم الحادي عشر - إلى زوال الشمس، ثم نادى في الناس بالرحيل وتوجه إلى الكوفة ومعه بنات الحسين وأخواته، ومن كان معه من النساء والصبيان، وعلي بن الحسين فيهم وهو مريض بالذرب وقد أشفى» [2] . وكذلك العلامة الطبرسي في إعلام الورى بأعلام الهدى [3] .

والمعروف كما سيأتي أن بني أسد إنما دفنوا الشهداء يوم رحيل ابن سعد بأهل البيت إلى ابن زياد أي في اليوم الحادي عشر كما سيوافيك.

2 - اليوم الثاني عشر وهو مختار ابن طاووس[4] .

3 - اليوم الثالث عشر وهو مختار السيد المقرم «ت 1391هـ» في كتاب مقتل الحسين ولم يذكر مصدر ذلك ومن يتبناه.

قال: «وفي اليوم الثالث عشر من المحرم أقبل زين العابدين لدفن أبيه الشهيد لأن الإمام لا يلي أمره إلا إمام مثله» [5] .

قال الشيخ عباس القمي في ذلك: «ومن المعروف «!» أن الأجساد الطاهرة بقيت ثلاثة أيام مرمية على الأرض دون دفن، ونقل عن بعض الكتب أنها دفنت بعد عاشوراء بيوم واحد، وهذا مستبعد؛ ذلك أن عمر بن سعد كان لا يزال في اليوم الحادي عشر لدفن القتلى من عسكره؛ وكان أهل الغاضرية قد ارتحلوا من نواحي الفرات خوفاً من ابن سعد، وبهذا الاعتبار فهم لا يجرؤون على العودة بهذه السرعة» [6] .

ونفى الشيخ الطبسي في كتاب مع الركب الحسيني أن يكون الدفن في اليوم الحادي عشر لأن المسألة بالنسبة إليه إعجازية في حركة الإمام زين العابدين من الكوفة إلى كربلاء انطلاقاً من محاججة الواقفة مع الإمام الرضا كما ستوافيك وجاء في كلامه: «إذن خروجه إلى كربلاء بالأمر المعجز لم يكن في اليوم الحادي عشر حتماً، ذلك لأنه لم يدخل المجلس إلا في اليوم الثاني عشر، إذ لم يكن عمر بن سعد قد دخل بعسكره وبالسبايا مدينة الكوفة إلا في نهار اليوم الثاني عشر كما قدمنا قبل ذلك في سياق الأحداث» [7] .

ولعل الملاحظ والمشهور هذه الأيام هو الرأي الثالث وهو أنه دفن في اليوم الثالث عشر ولكن لا دليل عليه من تاريخ وروايات. ومن هنا قال الطبسي في كتابه مع الركب الحسيني «لكن ظاهر بعض الآثار يدل على أن عملية دفن الأجساد المقدسة حصلت في اليوم الثالث عشر من المحرم...» [8] ، ثم نقل كلام صاحب أسرار الشهادة كما سيأتي وستلاحظ أن لا دليل عليه.

متى وصل الركب إلى الكوفة؟

أجمع المؤرخون إن عمر بن سعد ذهب بأهل البيت عند الزوال من اليوم الحادي عشر وذكر بعض الكتّاب أن أهل البيت باتوا في منزل من منازل الطريق القريبة من الكوفة ولما يدخلوا الكوفة مع معسكر ابن سعد إلا في نهار اليوم الثاني عشر ولكن ليس في كلام المؤرخين ما يصرح بذلك، وقد يفهم من كلام الشيخ المفيد أن وصول السبايا كان يوم الحادي عشر كما قال: «ولما وصل رأس الحسين ووصل ابن سعد - لعنه الله - من غد يوم وصوله ومعه بنات الحسين وأهله، جلس ابن زياد للناس في قصر الإمارة وأذن للناس إذنا عاما....» [9] .

وواضح من هذا النص أن يوم وصول ابن سعد بعد يوم من وصول رأس الإمام الحسين - حسب النص - وقد وصل الرأس الشريف إلى الكوفة في نفس يوم عاشوراء كما هو صريح أقول المؤرخين فمثلاً:

ما قاله السيد ابن طاوس - رحمه الله - في كتاب الملهوف على أهل الطفوف والشيخ ابن نما - رحمه الله - في مثير الأحزان واللفظ للسيد: «إن عمر بن سعد بعث برأس الحسين عليه الصلاة والسلام في ذلك اليوم وهو يوم عاشورا مع خولي بن يزيد الأصبحي وحميد بن مسلم الأزدي إلى عبيد الله ابن زياد، وأمر برؤوس الباقين من أصحابه وأهل بيته فنظفت وسرح بها مع شمر بن ذي الجوشن وقيس بن الأشعث وعمرو بن الحجاج، فأقبلوا بها، حتى قدموا الكوفة، وأقام بقية يومه واليوم الثاني إلى زوال الشمس ثم رحل بمن تخلف من عيال الحسين وحمل نساءه على أحلاس أقتاب بغير وطاء مكشفات الوجوه بين الأعداء، وهن ودائع خير الأنبياء، وساقوهن كما يساق سبي الترك والروم في أسر المصائب والهموم» [10] . ولا يوجد في نصهما ما يشير إلى أن وصول الرأس يوم الحادي عشر، وأن وصول السبايا يوم الثاني عشر.

وقال الطبري «فسرح [عمر بن سعد] برأسه [الإمام ] من يومه ذلك مع خولي بن يزيد وحميد ابن مسلم الأزدي إلى عبيد الله بن زياد فأقبل به خولي فأراد القصر فوجد باب القصر مغلقا فأتى منزله فوضعه تحت أجانة في منزله وله امرأتان: امرأة من بنى أسد والأخرى من الحضرميين يقال لها: النوار ابنة مالك بن عقرب وكانت تلك الليلة ليلة الحضرمية....» [11] . ويفهم من هذا النص أن وصول الرأس في يوم العاشر ليلاً ولكن لكون القصر مغلقاً ذهب بالرأس إلى منزله.

ثم قال - الطبري - «قال: قال هشام: فحدثني أبي عن النوار بنت مالك قالت: أقبل خولي برأس الحسين فوضعه تحت أجانة في الدار ثم دخل البيت فأوى إلى فراشه فقلت له: ما الخبر؟ ما عندك؟ قال جئتك بغنى الدهر، هذا رأس الحسين معك في الدار، قالت: فقلت ويلك - جاء الناس بالذهب والفضة وجئت برأس ابن رسول الله لا والله لا يجمع رأسي ورأسك بيت أبدا، قالت: فوالله فقمت من فراشي فخرجت إلى الدار فدعا الأسدية فأدخلها إليه وجلست أنظر قالت: فوالله ما زلت أنظر إلى نور يسطع مثل العمود من السماء إلى الأجانة ورأيت طيرا بيضاء ترفرف حولها. قال: فلما أصبح غدا بالرأس إلى عبيد الله بن زياد».

و على فرض صحته لا يعارض دفن الشهداء في اليوم الحادي عشر. ولكن الشيخ المفيد كما مرّت عبارته لم يذكر أن الوصول كان اليوم الثاني بل ذكر أن وصول السبايا بعد وصول الرأس الشريف بيوم.

ولكن هذا النص يعارض خطبة الإمام زين العابدين والتي يشير ظاهرها أنها - الخطبة - كانت في اليوم الحادي عشر والتي جاء فيها مندداً بهم:

«أتريدون أن تأتوا إلى كما آتيتم آبائى من قبل كلا ورب الراقصات فإن الجرح لما يندمل قتل أبى صلوات الله عليه بالأمس وأهل بيته معه ولم ينسنى ثكل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم». [12] 

وهم على علم وعهد بمقتل الحسين يوم أمس اليوم العاشر، فاللأم في الأمس لأم العهد الذهني القريبة لا لأم العهد في الزمن الماضي فتأمل.

وخطبة فاطمة بنت الحسين كذلك كانت في اليوم الحادي عشر:

«ما أنزلت عليه من أخذ العهود لوصيه على بن أبى طالب المسلوب حقه المقتول من غير ذنب كما قتل ولده بالأمس في بيت من بيوت الله فيه معشر مسلمة بألسنتهم» [13] . فهل يتحدثون عن الأمس الماضي أو الأمس الذي كان قبل اليوم؟

وأياً يكن يوم وصولهم فإن يوم دفنهم لم يرتبط بيوم وصولهم، وإنما بخروج ابن سعد عن كربلاء.

ما يدلل على أنهم دفنوا في اليوم الحادي عشر:

قال الشيخ المفيد: «ولما رحل ابن سعد [في اليوم الحادي عشر] خرج قوم من بني أسد كانوا نزولا بالغاضرية إلى الحسين وأصحابه رحمة الله عليهم، فصلوا عليهم ودفنوا الحسين حيث قبره الآن» [14] .

قال ابن شهر آشوب: ودفن جثثهم بالطف أهل الغاضرية من بني أسد بعد ما قتلوه بيوم[15] .

قال ابن نما وابن طاووس: ولما انفصل الناس من كربلاء، خرج قوم من بني أسد كانوا نزولا بالغاضرية فصلوا على الجثث النبوية ودفنوها في تلك التربة الزكية [16] .

وقال الشيخ عباس القمي صاحب مفاتيح الجنان في كتابه منتهى الآمال بعد أن نقل كلام الشيخ المفيد من حيث طريقة الدفن وأماكن المدفونين: «إن حكم الشيخ المفيد في شأن مدافن الشهداء يرى الأغلب رأيه، وهذا لا يتنافى مع كون حبيب بن مظاهر والحر بن يزيد قد دفنا في مدفن منفرد» [17] .

هذا رأي مؤرخي الشيعة، وكذلك الحال مع مؤرخي السنة فقد روى الطبري أن الإمام الحسين وبقية الشهداء دفنوا بعد مقتلهم بيوم، أي في اليوم الحادي عشر، وأن أهل الغاضرية من بني أسد قاموا بدفنهم، حيث يروي عن أبي مخنف قائلاً: «ودفن الحسين وأصحابه أهل الغاضرية من بني أسد بعدما قتلوا بيوم...» [18] .

وذهب البلاذري أيضاً إلى ذلك حيث قال: «ودفن أهل الغاضرية من بني أسد جثة الحسين، ودفنوا جثث أصحابه رحمهم الله بعدما قُتلوا بيوم..» [19] .

وفي مقتل الحسين لخوارزمي: «وأقام عمر بن سعد يومه ذلك إلى الغد، فجمع قتلاه فصلى عليهم ودفنهم، وترك الحسين وأهل بيته وأصحابه! فلما ارتحلوا إلى الكوفة وتركوهم على تلك الحالة عمد أهل الغاضرية من بني أسد فكفنوا أصحاب الحسين، وصلوا عليهم، ودفنوهم...» [20] .

والمستفاد من هذه النصوص التاريخية أن دفن الإمام الحسين والمستشهدين بين يديه كان قد تم في نفس اليوم الذي ارتحل فيه ابن سعد عن كربلاء، وهو اليوم الحادي عشر، وكان ذلك عصراً لأن ابن سعد قد ارتحل عن كربلاء فيه بعد الزوال وعلى أيدي بني أسد.

وللحديث تتمه،،

[1]  انظر مناقب آل أبي طالب ج4 - ص 112، أنساب الأشراف للبلاذري ج3 - ص 411، مروج الذهب ج3 - ص 63، مرآة الزمان في تواريخ الأعيان - ص 97، البداية والنهاية ج8 - ص 191، وتاريخ الطبري ج 3 - ص 335، الكامل في التاريخ - ابن الاثير ج 3 - 433.
[2]  الإرشاد - الشيخ المفيد - ج 2 - ص 114
[3]  إعلام الورى بأعلام الهدى - ص 290.
[4]  اللهوف في قتلى الطفوف - 85، بحار الأنوار ج45 - ص 107
[5]  مقتل الحسين - المقرم - ص 319 طبعة الخامسة طبع بيروت ونشر دار الكتاب الإسلامي 1399 هـ وقد ذكر هامش «إثبات الوصية للمسعودي» ولم أعرف مقصده هل يريد التاريخ أم ما جاء بعد التاريخ لأن المسعودي يتبنى الرأي الأول.
[6]  منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل - ج1 - ص 565.
[7]  مع الركب الحسيني «وقائع الطريق من كربلاء إلى الشام» محمد جعفر الطبسي ج5 - ص 143
[8]  مع الركب الحسيني «وقائع الطريق من كربلاء إلى الشام» محمد جعفر الطبسي ج5 - ص 144
[9]  الإرشاد - الشيخ المفيد - ج 2 - ص 114
[10]  الملهوف ص 125 - 127.
[11]  تاريخ الطبري - الطبري - ج4 - 348، ومقتل الحسين
[12]  الملهوف - 93
[13]  اللهوف في قتلى الطفوف - ص 88، مثير الأحزان - ص 67.
[14]  الإرشاد - الشيخ المفيد - ج 2 - ص 114
[15]  المناقب 4: 112.
[16]  مثير الأحزان: 85، اللهوف: 190.
[17]  منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل - الشيخ القمي - ج1 - ص 564.
[18]  تاريخ الطبري - الطبري - ج3 - ص 335.
[19]  أنساب الأشراف ج3 - ص 411
[20]  مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 - ص 44.
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
جعفر البحراني
[ الجزيرة - تاروت ]: 10 / 12 / 2012م - 11:22 ص
أعلى الله مقامك
ننتظر منك البقية بتتبع أكبر وتفاصيل وتحليل أكثر.
بارك الله جهودك