آخر تحديث: 5 / 4 / 2020م - 8:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

منهج التحليل السياسي.. مقاربة نظرية

محمد المحفوظ *

مقدمة:

يحاول الدكتور محمد جابر الأنصاري في كتابه الموسوم بـ «العرب والسياسة.. أين الخلل»، أن يبحث في التركيب المجتمعي العربي عن الداء السياسي المزمن، الذي يحول كل تجربة سياسية إلى تجربة فاشلة في أدائها السياسي والإداري والقيادي، أو في تلبية تطلعات الأمة الحضارية.

والمفارقة الأساسية التي يشير إليها الكاتب في هذا الصدد، هي في أن هذه العناصر الوطنية والشعبية الحاكمة، التي يكشف أداؤها السياسي عن هذا المستوى، كان بعضها على الأقل مناضلا قوي المراس في المعترك الوطني. وأنه لم تنقصه الشجاعة والتضحية في هدم ما لا يريد من حكم أجنبي أو تقليدي، لكن أعوزته المقدرة والبراعة والحنكة والحصافة والأخلاقية، في بناء ما يريد من دولة وطنية أو قومية أو دينية، عندما تصدى لقيادة وإدارة عملية البناء أو المحافظة عليه.

ومرد هذه الإشكالية ليس الصدفة، أو في القصور في كفاءة الإنسان العربي وهو يتعاطى الشأن السياسي فكرا وممارسة.

البناء السياسي:

وإنما مرد هذه الظاهرة إلى غياب البناء السياسي الحقيقي في الفكر العربي، حيث أن النخب السياسية في الوطن العربي، ومنذ الحقبة الاستعمارية وإلى الآن كانت تعتمد في تسيير أمورها المحتاجة إلى الدعم الشعبي، إلى التعبئة العاطفية والحماسية للجمهور لتمرير سياساتها أو خياراتها الإستراتيجية.

ولا ريب أن العاطفة والحماسة لهما دور رئيسي في إقناع الجمهور بالخيارات السياسية، أو المشروعات السياسية الداخلية والخارجية. ولكننا نرى أنه من الخطأ بمكان الاتكاء على هذه العاطفة، والتعويل على الحماسة الشعبية في كل الظروف والمواقع السياسية.

بمعنى أن تمرير أي مشروع سياسي بحاجة إلى الشعارات الداعمة، والحماسة الشعبية التي ترفده بالزخم الجماهيري الهائل. ولكن الاكتفاء بهذه الحماسة العاطفية في تمرير المشروع السياسي، يؤدي به في الكثير من الأحيان، إما إلى الفشل أو جمود المشروع وتكلسه.

ولعل الذي حدث في التجربة السياسية العربية، هو التعويل المطلق على حماسة الجمهور في تمرير السياسيات أو المشاريع، دون العمل على بلورة مدرسة سياسية عربية، تأخذ على عاتقها بناء المواطن العربي سياسيا، حتى يتحول كل مواطن عربي إلى فاعل في المحيط السياسي، بما يخدم بذلك أمته ووطنه.

ففي الحقبة الناصرية، كان الحضور الشعبي عارما وفعالا، ولكن النخبة السياسية الناصرية آنذاك استفادت من هذا الحضور في حدود التأييد أو الرفض «بالتصفيق المجرد في كلتا الحالتين»، وتحريكه عند الضرورة بما ينسجم والمصلحة السياسية السائدة. دون أن تستفيد هذه النخبة، من ذلك الحضور الشعبي في تعميق الوعي السياسي، وبلورة مدرسة سياسية عربية، تأخذ على عاتقها مأسسة ذلك الهياج الجماهيري الهائل بما يخدم مصلحة الأمة حاضرا ومستقبلا.

كل هذا يكشف لنا بوضوح، أن الإشكالية الحقيقية، تكمن في غياب المدرسة السياسية العربية، ذات المعالم الواضحة، والمتسقة ومصالح الأمة وتطلعاتها الاستراتيجية.

ولا شك أن وجود شخصية قيادية «كاريزمية»، لها التأثير المباشر في فعالية وحيوية النسيج المجتمعي العربي، ولكن اتكاء العرب المطلق على هذه الزعامات الكاريزمية، هو الذي عطل بشكل أو بآخر فاعلية النسيج المجتمعي في الفضاء السياسي.

إذ تواكل هذا النسيج، وألقى كل الثقل والعبء، على القدرات الفذة التي يمتلكها الزعيم الكاريزمي.

وبهذا أصبح فضاؤنا المجتمعي هشا، لا يستطيع أن يحرك ساكنا ولا يمكن أن يبادر للقيام بأعمال ومبادرات لتطوير التركيب المجتمعي.

وفي التاريخ الأوروبي حينما ابتليت الشعوب الأوروبية بالقيادات الكاريزمية التي اختزلت الدولة والمجتمع في شخصها وكيانها الخاص الضيق فإنها أدخلت الشعوب الأوروبية في نفق الحروب والصدامات العسكرية التي لا تنتهي. ولقد أفضت تلك الحقبة من التاريخ الأوروبي إلى حربين عالمتين دمرتا انجازات الإنسان كلها. لهذا فإن هذه الإشكالية تعالج، حينما يمارس النسيج المجتمعي دوره الفعال في مضمار السياسة. لأن الزعامات السياسية الفريدة وحدها لا تستطيع عمل كل شيء في عالم يتجه في كل أموره وقضاياه إلى التكتل والمأسسة. وإنما ينقص العرب ويعمق الإشكالية السياسية التاريخية في واقعهم هو غياب ذلك النسيج المجتمعي الذي يعتبر السياسة بالمعنى العام واجبا من واجبات المواطنة الصالحة.

لهذا فإن القصور الجوهري والذي يغذي هذه الإشكالية ويمدها بأسباب الحياة والتمدد هو نوعية التطور السائد في الواقع المجتمعي فيما يرتبط بشأن السياسة فكرا وممارسة. وليس غريبا لمن يهرب من هذه الإشكالية أن يصبح هو ضحيتها التاريخية. ولهذا نجد أن مجتمعاتنا العربية وفي فترات زمنية مختلفة كانت ضحية هذه الإشكالية. لهذا فإن ضعف التمأسس المجتمعي وبطء وتيرته، ألغيا فعالية الكثير من الجهود والطاقات التي بذلتها الشعوب العربية في سبيل إنهاء هذه الإشكالية والخروج من آسراها التاريخي. ومن المؤكد أن مأسسة السياسة هي البوابة الطبيعية للخروج من هذه الإشكالية والمأزق التاريخي.

والمأسسة تعني تعميق البعد الإستراتيجي في المتغير السياسي، بحيث تصبح السياسة ذات تقاليد مجتمعية راسخة وعميقة الجذور في النسيج المجتمعي. وبهذا يصبح الأداء السياسي فعالا ومقتدرا، ويعتمد على قاعدة مجتمعية تمده باستمرار بالكفاءات البشرية والآفاق الحضارية.

وكلما تسارعت وتيرة التغير والتحولات الإقليمية والدولية، وجب العمل على التنمية السياسية تقليلا من نسبة الفشل، ولكي يتبوأ المجتمع العربي موقعا متميزا في خريطة المجتمعات الإنسانية. فالإخفاقات التي منيت بها الساحة العربية في الكثير من المجالات كان للسياسة «بمعناها العام» الدور المركزي في ذلك.

إذ أن المجتمعات العربية وفي حقب الصعود والمد، لم تسع لتوظيف هذا الصعود العاطفي والمد الحماسي في تعميق قيم ومبادئ وخيارات استراتيجية، تؤكد وتؤدي إلى الحضور الدائم لهذه المجتمعات في ميدان صناعة المصير والمستقبل.

ولا شك أن تحليلات الدكتور الأنصاري في كتابه المذكور أعلاه وغيره من الكتب التي تناقش المسألة السياسية في الفكر العربي، وتسعى بأدوات علمية إلى تحليل ظاهرة الإخفاقات العربية، قد وفق إلى حد بعيد في الإمساك بجذر أو جذور الخلل وستبقى الانتكاسات والإخفاقات حاضرة في واقعنا العربي ما دام هذا الخلل موجودا.

وإن سبيل تجاوز الانتكاسات والإخفاقات يبدأ بإزالة عناصر الخلل بين العرب والسياسة. وفي سياق إزالة عناصر الخلل المذكورة أعلاه، تأتي هذه الورقة لبلورة رؤية عربية للتحليل السياسي، بوصفه احد مداخل تطوير علاقة العرب بالسياسة كوعي وممارسة. وهي دعوة مباشرة، لامتلاك أدوات التحليل السياسي لكل الظواهر والأحداث السياسية، بوصفه «التحليل السياسي» أحد المداخل الأساسية لتنمية الوعي السياسي في مجتمعاتنا

الخبرة السياسية:

فلكي يكون التحليل السياسي قويا وقريبا من الواقع، من المهم للمحلل أن يكون خبيرا بالشؤون السياسية.. إذ أن الصدق في التحليل والتنبؤات السياسية، بحاجة إلى خبرة فائقة بعلم السياسة.. وتأتي الخبرة السياسية عن طريق خلفية نظرية متينة، تؤهل المحلل السياسي، من مسك مفاتيح الفهم والوعي السياسي.. ويمكن الحصول على هذه الخلفية النظرية عن طريق الآتي:

1 - قراءة المؤلفات السياسية، التي توضح الخطوط السياسية العريضة، أو تحلل حدثا سياسيا ماضيا.. أو مذكرات قيادات سياسية شاركت في صنع الواقع السياسي المحلي أو الدولي..

2 - متابعة الأخبار والتقارير السياسية والخبرية «جريدة - مجلة - راديو - تلفاز» وما أشبه، وملاحقة الأخبار الخفية والأسرار السياسية والأحداث التي تجري خلف الكواليس.. ونلاحظ أهمية ذلك حين تحليل حدث اقتصادي كتقييم مسيرة تنموية، أو تقويم مجموعة إجراءات اقتصادية.. إذ نجد مثلا البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي يحاولون دائما الترويج لآرائهم وربطها بنماذج تنموية اقتصادية ناجحة.. وفي الوقت ذاته تعمل هذه القوى الدولية على تقويض أسس التنمية المستقلة والاقتصاد السليم في ذلك البلد.. كل ذلك بأساليب خاصة لا يعلن عنها.. فمثلا دعاية البنك الدولي عن تجربة كوريا الجنوبية في التنمية.. إذ يزعم البنك أن هناك ربطا بين معدل النمو المرتفع والانفتاح الواسع على الخارج.. بل تدعي أن سر النجاح هو بالذات هذا الانفتاح، كأنه شرط ضروري وكاف لارتفاع معدل النمو.. كل ذلك يحدث باسم العلم والخبرة الاقتصادية، ويستخدموا في سبيل ذلك جميع التبريرات لتمرير سياساتهم ومخططاتهم.. لذلك فالمحلل السياسي يحتاج دائما إلى ملاحقة الأسرار السياسية والأحداث التي تجري خلف الكواليس.. وهكذا فإن أغلب سيناريوهات الأحداث السياسية وبالخصوص الخطيرة والمصيرية منها، تقع نطفتها الأولى تحت الكواليس وبعيدا عن الأضواء.. ويكفي أن نعرف أن مشروع تقسيم المشرق العربي في عشرينات هذا القرن بين فرنسا وبريطانيا «سايكس بيكو» كان سريا ولم يكشف النقاب عنه إلا عن طريق قوة ثالثة وهي الاتحاد السوفيتي بعد ثورة أكتوبر عام 1917 م.. من هنا نجد أن الدول الكبرى وبالخصوص الديمقراطية بين الفينة والأخرى يكشفوا النقاب عن مجموعة من الوثائق السرية أو الأخبار الخاصة عن أحداث ماضية.. فمعرفة الأحداث وملاحقة أسرارها مفتاح ضروري لفهم الحاضر.. فدائرة الأسرار المرتبطة بالأحداث السياسية تظل على علاقة وثيقة بما يحدث فوق الأرض وفي العلن.. كما أنه ينبغي الاهتمام بالأحداث الصغيرة بوصفها أنها نطفة وبداية الأحداث الكبيرة والضخمة.. ففي أوروبا القرون الماضية، كانت المناوشات الصغيرة بين دويلات الإقطاع ممرا إلى الحروب الضخمة الدولية.. واختراع المدفع غير المعادلة الواقع الاقتصادي والعسكري برمته آنذاك، حيث ضمن تفوق الملكية على الإقطاعية ووضع حدا لغزوات المغول والتتر على العالم الأوروبي.. كما أن طاحون الهواء وطاحون الماء وكدانة الجر أسهمت إلى حد بعيد، في تحسين شروط حياة الفقراء في القرون الوسطى.. ويقول «أرنست جونجير» عندما يستمر تساقط الثلوج كل الشتاء، تكفي رجل أرنب لتحدث انهيارا ثلجيا جارفا..

3 - مراجعة الأرشيفات والمستندات السياسية، من أجل دعم التحليل السياسي بالوثائق والبراهين الدامغة، وبيان تاريخية الحدث، لكي تكون النظرة السياسية عميقة ومستندة على معطيات تاريخية وواقعية..

4 - معرفة التاريخ السياسي للنظام الدولي: لكي نفهم أهم التطورات والتحولات التي طرأت على النظام الدولي، ومن أجل إيضاح جملة من الحقائق التاريخية التي مازلنا نعيش فصولها وآثارها.. فلا بد من معرفة التطورات التي حدثت في ميزان القوى، وعلى التبدل والتحول الذي طرأ على المحور الأساسي للنظام الدولي.. والأسباب التي أدت إلى هذا التحول والتبدل، والنتائج التي ترتبت عليها.. والنظريات والسياسات الاستراتيجية، التي نشأت مع النظام الدولي والقوى الفاعلة فيه..

5 - معرفة القوانين الدولية والسياسية: ما من شك أن للقوانين الدولية بمختلف أنواعها وأشكالها، تأثير في مجمل الأحداث السياسية التي تجري على وجه البسيطة.. لذلك ينبغي أن يكون المحلل على اطلاع واسع على هذه القوانين، ليتسنى له جعل الحدث السياسي في قالبه الصحيح، وليتمكن من معرفة أهم الثغرات والفجوات الموجودة في القوانين والمؤسسات الدولية..

6 - مساءلة أهل الاختصاص والخبرة: لكي يكون الرأي السياسي ناضجا ونابعا من مناقشات مستفيضة وحوارات عميقة.. والمحلل الناجح هو الذي لا يتخذ المواقف السياسية إلا بعد المداولات والمناقشات من أهل الخبرة والاختصاص، لكي يعمق فهمه، ويركز رأيه، ويؤصل نظراته وموقفه السياسي.. بهذه الأمور تتكون لدى المحلل السياسي الخلفية النظرية الكافية والخبرة السياسية اللازمة، التي تؤهله لممارسة عملية التحليل السياسي بنجاح..

العوامل الإقليمية والدولية:

تتعدد النظريات التي تريد أن تثبت دور وتأثير القوى الإقليمية والدولية في الساحة السياسية.. والقاسم المشترك بين جميع هذه النظريات هو أن للعوامل الدولية والإقليمية تأثيرا مباشرا على مجمل الأحداث السياسية التي تجري في العالم.. ويرجع ذلك إلى تعدد أبعاد العوامل الإقليمية والدولية.. وتتداخل مسبباتها ومصادرها، وتتشابك تفاعلاتها، وتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة.. وبالتالي فإن تأثير هذه العوامل تتنوع مظاهره وأشكاله.. فهو «أي التأثير» قد يكون سياسيا أو اقتصاديا أو أيدلوجيا أو تكنولوجيا أو ثقافيا وما أشبه ذلك.. كما أن أدوات التأثير من قبل القوى الإقليمية والدولية على ساحة الفعل والقرار السياسي، تختلف من موقع لآخر، ومن هذه الأدوات الضغط والاحتواء والتهديد والعقاب والتفاوض والمساومة والإغراء والحرب المسلحة، والتدخل العسكري يمثل نقطة النهاية في تطور تأثير القوى الدولية والإقليمية على الساحة السياسية.. فالمشكلة العراقية بجميع تداعياتها وآثارها المحلية والإقليمية والدولية، لا يمكن بأي حال من الأحوال، أن نعزلها عن تأثير القوى الإقليمية والدولية في مجرى الأحداث وآلية المشكلة الشاملة التي يعاني منها العراق.. وحالة التعقيد التي تتصف بها الأزمة العراقية، التي أفرزت العديد من الصراعات والنزعات الدموية، لا يمكن فصلها عن التعددية الهائلة للأطراف والقوى الإقليمية والدولية القادرة على التأثير في المسيرة السياسية.. ومن تعدد مصالح هذه القوى والأطراف وتضاربها الشديد بل يمكن القول أن العامل الدولي بالذات هو الذي قام بإثارة الكثير من عناصر التوتر والنزاع في الساحة العراقة.. وبهذا نجد أن الكثير من النزاعات المتفرقة التي تجري على الساحة العراقية اليوم، ما هي إلا انعكاس لصراع سياسي بين قوى ذات تأثير على الساحة العراقية.. والشعب العراقي، هو الذي يدفع فاتورة التنافس والصراع بين القوى والأطراف الدولية والإقليمية.. ولو تأملنا أيضا في أغلب بؤر التوتر في العالم، لوجدنا أن للقوى الدولية حصة الأسد في تفجير هذه البؤر وبقاء أوارها.. فالمشكلة الهندية - الباكستانية لا يمكن أن نحلل حركتها بمعزل عن خطط وسيناريوهات القوى الدولية في القارة الهندية.. كما أن المشكلة الأفغانية لا يمكن عزلها عن تأثير العوامل الإقليمية والدولية على مجريات أحداثها وفصولها الدامية منها والسياسية.. كما أنه لا يمكن النظر إلى المشاكل المتفاقمة التي تجري في القرن الأفريقي بمعزل عن تأثيرات هذه القوى عليها.. وهكذا في جميع بؤر التوتر والانفجار في العالم.. ويكفي أن نعرف فقط أن أغلب المشاكل الحدودية والجغرافية بين بلدان العالم، كانت من صنع دولي أو إقليمي لبقاء السيطرة والهيمنة.. وتتعدد المداخل التي تحاول تفسير ظاهرة التأثير من قبل القوى الدولية والإقليمية في العلاقات الدولية.. فمنها المدخل الأيدلوجي حيث أن التناقضات الأيدلوجية بين القوى الكائنة في المجتمع الدولي، تمثل الحقيقة الكبرى التي تنبع منها وتدور في خلفيتها كافة أشكال الصراعات الدولية المعاصرة.. ومدخل سباق التسلح ومدخل المصالح القومية في نطاق سياسات القوى.. والمدخل السياسي والمدخل المتعلق بطبيعة النظام السياسي الداخلي ونظرية المحور الصناعي والعسكري.. وهكذا تتعدد المداخل التي تفسر ظاهرة الصراع في العلاقات الدولية.. وتأمل بسيط من قبلنا في جوهر هذه المداخل والنظريات، نرى بوضوح مدى تأثير العوامل الإقليمية والدولية على حركة الأحداث السياسية..

الخطوات العملية للتحليل السياسي:

بعد تعيين الظاهرة السياسية المراد تحليلها، وتوفير المستلزمات النظرية والمعرفية لعملية التحليل.. تبدأ الخطوات العملية التي ينبغي أن يقوم بها المحلل السياسي.. وهذه الخطوات كآتي:

1 - الملاحظة الدقيقة للظاهرة والحدث السياسي المراد تحليله.. لأن الظواهر السياسية سريعة التغير وشديدة التشابك ويرتبط بعضها بالبعض الآخر.. ومن لا تتوفر لديه اليقظة التامة والمتابعة الدقيقة، لن يستطيع تحليل عناصر الظاهرة السياسية تحليلا سليما.. والسبب يرجع إلى أن أغلب الأحداث السياسية، التي تجري في العالم، تمارس معها عمليات التضليل والإغواء وتحريف عقول الناس وتشويه تصوراتهم ونظراتهم إلى حركة الأحداث السياسية.. لذلك فالمحلل المتميز هو الذي يلاحق الحدث، ويتعرف على تفصيلاته، ويتابع مسيرته بدقة ووعي تام..

2 - معرفة الظرف السياسي الذي وقع فيه الحدث.. إذ من الضروري أن يلاحظ المحلل المحيط الذي وقع الحدث في أجوائه.. ولذلك لأن لبنية المحيط ومشكلاته دور وتأثير كبير في حركة الحدث السياسي.. ولا يمكن الحدوث برؤية صائبة عن الحدث، بدون ملاحظة الظروف السياسية والاقتصادية التي وقع فيها الحدث.. فلا يمكن مثلا فصل عمل بطولي يقوم به أبناء فلسطين المحتلة، عن الظروف السياسية الخانقة التي يعيشها أبناء فلسطين تحت الاحتلال الإسرائيلي الحاقد..

3 - التعرف على عناصر التأثير في الحدث «محليا - إقليميا - دوليا» فمثلا لا يمكن للمحلل أن يدرك حقيقة الأحداث المتلاحقة في منطقة الشرق الأوسط، من دون معرفة العناصر والقوى ذات التأثير في المعادلة السياسية في المنطقة.. وقد تجد في الكثير من الأحداث السياسية، لا مصلحة حقيقية من ورائها بالنسبة إلى منفذها المباشر، ولكنها من مصلحة القوة الإقليمية أو الدولية المرتبطة بها.. فدراما الأحداث السياسية التي تجري حاليا في منطقة الشرق الأوسط كلها بيد القوى الدولية والإقليمية ذات التأثير المباشر على المعادلة الحاكمة في هذه المنطقة.. لذلك حين التحليل، لا يمكن بأي حال من الأحوال إغفال التأثير الإقليمي والدولي لمجمل الأحداث.. لأنها تسير وفق توازنات محلية وإقليمية ودولية دقيقة.. وكل قوة تريد التأثير في الأحداث بما يوافق مصالحها وتطلعاتها.. والرابح في الأخير هو الذي يمتلك أوراق اللعبة أكثر وقادر على بلورتها وتفعيلها وتوظيفها في ميدان العمل والممارسة السياسية.. ولكي تكتمل صورة عناصر التأثير في ذهن المحلل، لا بد له أيضا من التعرف على المصالح السياسية والاقتصادية للأطراف المرتبطة بالحدث.. فإن معرفة المصالح يوفر جهد كبير للمحلل.. لأن المصالح هي الدافع المباشر في كثير من الأحداث السياسية التي تجري في العالم.. فالقوات الأجنبية التي احتلت العراق، لم تأت لكي تدافع عن مصلحة شعوب المنطقة أو قيم الحرية والعدل والمساواة، وإنما جاءوا من أجل الدفاع عن مصالحهم واستراتيجياتهم في المنطقة..

4 - التعرف على منطقة الحدث: لا شك أن لجغرافية الحدث تأثير مباشر في حركة الظاهرة السياسية.. والمحلل الذي يجهل الخريطة الجغرافية التي وقع فيها الحدث، لا يمكنه بأي شكل من الأشكال، أن يكون ذا تحليل علمي دقيق.. فأزمة خليج الخنازير التي جرت في الستينات من القرن الماضي بين الولايات المتحدة الأمريكية وكوبا، لا يمكن فصلها عن الموقع الجغرافي والحدود المشتركة لكلا البلدين.. كما أن النظام السياسي والاقتصادي في بولندا في العصر الحديث، كان دائم التأثر بالاتحاد السوفيتي السابق للقرب الجغرافي..

فالتعرف على موقع الحدث وطبيعته، ونقاط القوة والضعف فيه، مدخل ضروري لفهم مغزى وطبيعة الحدث السياسي، وخطوة لا بد منها في عملية التحليل السياسي..

5 - الربط بين الأحداث والظواهر السياسية لإظهار ومعرفة مراحل تطور الحدث: حيث أن أغلب الأحداث السياسية ليست منفصلة عن نظائرها، وإنما هي امتداد لمجموعة أحداث أو رد فعل لظاهرة سياسية ما.. لذلك فإن الربط بين الأحداث والظواهر السياسية، يكشف للمحلل خبايا الحدث ومغازيه وأهدافه.. ومن هنا جاء في المأثور «استدل على ما لم يكن، بما قد كان، فإن الأمور أشباه».. فالأحداث السياسية تكشف عن أحداث سياسية أخرى.. فالأحداث التي تجري على الأرض الأفغانية، وتأثير القوى الخارجية في الساحة الأفغانية، ليست بمعزل عن عوامل القبول المختلفة المتوفرة في أفغانستان وغيرها من بلدان العالم الثالث.. كما أن الربط بين أحداث الغزو الأمريكي لفيتنام والخسائر الفادحة التي منيت بها القوات الأمريكية، هي التي أوجدت نظرية الحرب النيابية والقوة الإقليمية البديلة كخط دفاعي عن المصالح الأمريكية في الخارج..

6 - طرح الأسئلة وعلامات الاستفهام: وهذه الخطوة هي عبارة عن أسلوب استقرائي يوصل المحلل السياسي، إلى الاحتمال الأقرب إلى الحقيقة والواقع.. فلكي يصل المحلل إلى جوهر الحدث السياسي وغايته، لا بد أن يطرح على نفسه أو على أهل الخبرة والاختصاص مجموعة من الأسئلة والاستفسارات التي تقرب بدورها الحدث إلى عقل المحلل، وتعرفه بآراء الآخرين ونظراتهم المتنوعة عن الحدث السياسي.. فطرح الأسئلة هو أسلوب منطقي، يوصل المرء إلى العلم والحقيقة.. ومن المفيد في هذا الإطار أن المحلل السياسي، حينما يريد أن ينضج رأيه ونظراته السياسية عن طريق مساءلة أهل الخبرة والاختصاص، من الضروري أن يناقشهم وهو ذو رأي ونظرة.. لا لكي يتوقف عندهم ويصر على رأيه، وإنما لكي تتوفر لديه القاعدة الضرورية لكل مناقشة موضوعية، ولكي يتعرف عن وجهات الآخرين ونظراتهم عن رأيه وتحليله.. ويبقى السؤال وسيلة لا غنى عنها للحصول على العلم والحقيقة والمعرفة وجاء في المأثور «القلوب أقفال ومفاتيحها السؤال»..

7 - التحليل والتركيب: بمعنى أن المحلل السياسي يقسم الظاهرة السياسية أو الحدث السياسي، إلى أقسام، ومن ثم يخطوا في التحليل خطوات منظمة بحيث تكون كل نقطة بالنسبة إلى التي تليها بمثابة المقدمة من النتيجة.. ويقوم بتحليل الظاهرة السياسية «موضوع البحث والتحليل»، إلى أبسط عناصرها وأدق تفاصيلها.. وهذه العملية تؤدي بالمحلل، بشكل طبيعي إلى تتبع نمو الظاهرة والحدث، والوقوف على تفرعاته، ومدى الصلات التي تربط هذه الظاهرة مع ما عداها.. لأنها تعين المحلل السياسي على تحديد ما يتطلبه الحل والعلاج.. ومن الأهمية بمكان أن تتماسك أجزاء التحليل.. فلا يتناقض مع بعضه، أو يصل المحلل في تحليله إلى نتائج متضاربة مع بعضها البعض.. ومن الضروري التأكيد في هذا السياق إلى أن الأحداث السياسية، لا تخضع لنظام آلي ميكانيكي، وإنما هي بالدرجة الأولى، خاضعة لإرادة الفعل والاستجابة لدى الإنسان الفرد أو الجماعة.. وعلى ضوء هذا لا بد للمحلل السياسي أن يجمع بين دراستين في تحليل الظاهرة السياسية «الدراسة الاستاتيكية وهي دراسة تشريحية وظيفية تتعلق بالناحية الاستقرارية للأوضاع والنظم السياسية، والدراسة الديناميكية وهي دراسة هذه الأوضاع في حالة حركتها وتفاعلها وترابطها وتطورها» «راجع كتاب قضايا علم السياسة العام، الدكتور محمد فايز عبد اسعيد، ص34»..

حتى يستطيع المحلل السياسي، أن يعرف ثوابت الحدث ومتغيراته وتداعياته..

8 - بعد عملية التحليل والتركيب، يأتي دور المقارنة بين الآراء وتمحيصها، حتى يتمكن المحلل من معرفة الرأي الأصوب.. وقد جاء في المأثور «اضربوا بعض الرأي ببعضه يتولد منه الصواب».. فإن المقارنة بين الآراء وتمحيصها، تمكن المحلل السياسي من التوصل إلى الرأي السديد، ويتعرف على الثغرات ونقاط الضعف لدى الآراء الأخرى.. لأن «من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ» و«من جهل وجوه الآراء أعيته الحيل»..

وجماع القول: فإن للتدريب والممارسة دور كبير في بلورة الرؤى وصياغة المواقف لأن «رأي الرجل على قدر تجربته» والمحلل السياسي المتميز، هو الذي لا يقف خارج الأحداث أو حركة الفعل السياسي، وإنما هو الذي يتابع حركة الأحداث من أجل بناء رؤية سياسية دقيقة وسليمة لواقعه الخاص والعام..

الخاتمة:

من هنا فإننا نشعر بأهمية أن تنتهي غربة الإنسان المسلم عن السياسة.. لأن هذه الغربة، هي التي ساهمت بشكل أو بآخر في سيطرة خيارات سياسية ليست منسجمة وتطلعات أبناء المجتمع والأمة على مقاليد الأمور والسلطة..

فالسياسة كوعي وممارسة، ليست فعلا مدنسا، حتى نبتعد عنها ونهرب من أسنحقاقاتها، وإنما هي من مكونات حياتنا، وتتدخل في كل كبيرة وصغيرة في مسيرتنا كأفراد ومجتمعات..

لهذا فإن الحالة الطبيعية التي ينبغي أن تسود مجتمعاتنا، هي حالة الوعي السياسي والتنمية السياسية والانخراط في كل شؤونها ومقتضياتها..

كاتب وباحث سعودي «سيهات».