آخر تحديث: 5 / 4 / 2020م - 9:29 م  بتوقيت مكة المكرمة

من دفن الإمام الحسين (ع)؟

الشيخ عباس الموسى

هناك رأيان:

الرأي الأول: أن من دفن سيد الشهداء الإمام الحسين والشهداء الأبرار الذين قُتلوا معه في كربلاء هم أهل الغاضرية من بني أسد.

وهو مختار الشيخ المفيد والمسعودي وابن شهر آشوب والسيد ابن طاووس والطبرسي وابن نما الحلي والشيخ عبد الله البحراني والعلامة المجلسي وكذلك في مقتل الحسين برواية أبي مخنف والخوارزمي والطبري وابن الأثير والسبط ابن الجوزي[1] .

قال الشيخ المفيد: «ولما رحل ابن سعد خرج قوم من بني أسد كانوا نزولا بالغاضرية إلى الحسين وأصحابه رحمة الله عليهم، فصلوا عليهم ودفنوا الحسين حيث قبره الآن، ودفنوا ابنه علي بن الحسين الأصغر عند رجليه، وحفروا للشهداء من أهل بيته وأصحابه الذين صرعوا حوله مما يلي رجلي الحسين وجمعوهم فدفنوهم جميعا معا، ودفنوا العباس بن علي عليهما السلام في موضعه الذي قتل فيه على طريق الغاضرية حيث قبره الآن» [2] .

قال ابن شهر آشوب: «ودفن جثثهم بالطف أهل الغاضرية من بني أسد بعد ما قتلوه بيوم، وكانوا يجدون لأكثرهم قبورا، ويرون طيورا بيضاء» [3] .

قال ابن نما وابن طاووس: «ولما انفصل الناس من كربلاء، خرج قوم من بني أسد كانوا نزولا بالغاضرية فصلوا على الجثث النبوية ودفنوها في تلك التربة الزكية» [4] .

وقال الشيخ عباس القمي صاحب مفاتيح الجنان في كتابه منتهى الآمال بعد أن نقل كلام الشيخ المفيد من حيث طريقة الدفن وأماكن المدفونين: «إن حكم الشيخ المفيد في شأن مدافن الشهداء يرى الأغلب رأيه، وهذا لا يتنافى مع كون حبيب بن مظاهر والحر بن يزيد قد دفنا في مدفن منفرد» [5] .

وينقل صاحب «كامل البهائي» الحسن بن علي الطبري، المعاصر للعلامة والمحقق: أن عمر بن سعد أقام في كربلاء يوم الشهادة إلى زوال اليوم التالي، ثم وكّل جماعة من المسنين والمعتمدين بالإمام زين العابدين وبنات أمير المؤمنين ، والنساء الأخريات ومجموعهن عشرون امرأة وكان زين العابدين في الثانية والعشرين من عمره، والإمام الباقر في السنة الرابعة، وكلاهما كانا في كربلاء، وقد حفظهما الله تعالى.

ولما ارتحل عمر بن سعد من كربلاء كانت طائفة من بني أسد في ترحال، فلما انتهوا إلى كربلاء ورأوا تلك الحالة بادروا إلى دفن الإمام الحسين ﷺ في قبر وحده، وضعوا علي بن الحسين عن رجلي أبيه ، ودفنوا العباس إلى جانب الفرات حيث استشهد، وحفروا للباقين قبراً كبيراً دفنوهم فيه، أما الحر بن يزيد فقد دفنه ذوو قرباه في الموضع الذي استشهد فيه.

وقبور الشهداء غير مميزة بحيث يعرف أين دفن كل شهيد، إلا أنه لا شك في أن الحائر يحيط بهم جميعاً. انتهى.

وفي الكامل البهائي أيضاً: إن بني أسد افتخرت على قبائل العرب بأنا صلينا على الحسين ودفناه وأصحابه [6] .

وقال الشيخ الشهيد في كتاب «الدروس» بعد الحديث عن زيارة أبي عبدالله : وكلما زاره فليزر ابنه علي بن الحسين «عليهما السلام»، وليزر الشهداء وأخاه العباس ، وليزر الحرّ بن يزيد ... الخ. [7] 

ومثله قال محمد بن سعد: وكان زهير بن القين قد قتل مع الحسين فقالت امرأته لغلام له - يقال له شجرة -: انطلق فكفن مولاك، قال: فجئت فرأيت حسينا ملقى، فقلت: أكفن مولاي وأدع حسينا! فكفنت حسينا ثم رجعت فقلت ذلك لها، فقالت: أحسنت، وأعطتني كفنا آخر، وقالت: انطلق فكفن مولاك ففعلت [8] .

وقال صاحب كتاب «مدينة الحسين»: «أجمع المؤرخون على أن قوماً من بني أسد[9]  كانوا نزولاً في الغاضرية قدموا كربلاء بعد أن رحل ابن سعد فصلوا على الجثث الطاهرة ودفنوها..» [10] .

والملاحظ أن هناك اتفاق تاريخي على أن بني أسد هم من دفنوا الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه دون الإمام زين العابدين.

وهناك من الروايات ما يؤيد ذلك:

ما يظهر من رواية الشيخ الطوسي أن بني أسد جاؤوا ببارية جديدة وفرشوا بها تحت الحسين، فإنه قد روي عن الديزج في القصة التي أرسله فيها المتوكل لنبش قبر الحسين: أتيت في خاصة غلماني فقط فإني نبشت فوجدت بارية جديدة وعليها بدن الحسين بن علي عليهما السلام ووجدت منه رائحة المسك، فتركت البارية على حالها وبدن الحسين على البارية أمرت بطرح التراب عليه واطلقت عليها الماء [11] .

وواضح من هذه الرواية أن الإمام الحسين ومن استشهدوا بين يديه دُفنوا على هيئتهم التي استشهدوا عليها بلا تكفين ولا غسل.

وفي كامل الزيارة لابن قولويه: عن عبد الله بن الفضل بن محمد بن هلال، عن سعيد بن محمد، عن محمد بن سلام الكوفي، عن أحمد بن محمد الواسطي، عن عيسى بن أبي شيبة القاضي، عن نوح بن دراج، عن قدامة بن زائدة عن أبيه، عن علي بن الحسين «عليهما السلام»، عن عمته زينب، عن أم أيمن، عن رسول الله ﷺ - في حديث طويل - وفيه: أنه ذكر له جبرئيل قصة شهادة أبي عبد الله :..... إنه لما أصابنا بالطف ما أصابنا، وقتل أبي وقتل من كان معه من ولده وإخوته وسائر أهله، وحملت حرمه ونساؤه على الأقتاب، يراد بنا الكوفة فجعلت أنظر إليهم صرعى، ولم يواروا فيعظم ذلك في صدري ويشتد لما أرى منهم قلقي، فكادت نفسي تخرج، وتبينت ذلك مني عمتي زينب بنت علي الكبرى فقالت: مالي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وإخوتي؟ فقلت: وكيف لا أجزع وأهلع، وقد أرى سيدي وإخوتي وعمومتي وولد عمي وأهلي مضرجين بدمائهم مرملين، بالعراء مسلبين، لا يكفنون ولا يوارون، ولا يعرج عليهم أحد ولا يقربهم بشر كأنهم أهل بيت من الديلم والخزر، فقالت: لا يجزعنك ما ترى فوالله إن ذلك لعهد من رسول الله إلى جدك وأبيك وعمك، ولقد أخذ الله ميثاق أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض وهم معروفون في أهل السماوات أنهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها، وهذه الجسوم المضرجة وينصبون لهذا الطف علما لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره، ولا يعفو رسمه، على كرور الليالي والأيام، وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلا ظهورا وأمره إلا علوا.... - إلى أن قال -. ثم يبعث الله قوما من أمتك لا يعرفهم الكفار، ولم يشركوا في تلك الدماء بقول ولا فعل ولا نية، فيوارون أجسامهم، ويقيمون رسما لقبر سيد الشهداء بتلك البطحاء يكون علما لأهل الحق، وسببا للمؤمنين إلى الفوز» [12] . الخبر. وهذا واضح باعتراف زينب الكبرى والإمام السجاد عليهما السلام أن الله كلف جماعة دونهم يوارون جثت الإمام وأصحابه.

هذا رأي مؤرخي الشيعة، وكذلك الحال مع مؤرخي السنة فقد روى الطبري أن الإمام الحسين وبقية الشهداء دفنوا بعد مقتلهم بيوم، أي في اليوم الحادي عشر، وأن أهل الغاضرية من بني أسد قاموا بدفنهم، حيث يروي عن أبي مخنف قائلاً: «ودفن الحسين وأصحابه أهل الغاضرية من بني أسد بعدما قتلوا بيوم...» [13] .

وذهب البلاذري أيضاً إلى ذلك حيث قال: «ودفن أهل الغاضرية من بني أسد جثة الحسين، ودفنوا جثث أصحابه رحمهم الله بعدما قُتلوا بيوم..» [14] .

وفي مقتل الحسين للخوارزمي: «وأقام عمر بن سعد يومه ذلك إلى الغد، فجمع قتلاه فصلى عليهم ودفنهم، وترك الحسين وأهل بيته وأصحابه! فلما ارتحلوا إلى الكوفة وتركوهم على تلك الحالة عمد أهل الغاضرية من بني أسد فكفنوا أصحاب الحسين، وصلوا عليهم، ودفنوهم...» [15] .

وفي تذكرة الخواص للسبط ابن الجوزي: «وكان زهير بن القين قد قتل مع الحسين فقالت امرأته لغلام له: اذهب فكفن مولاك. فذهب فرأى الحسين مجرداً فقال: أكفن مولاي وأدع الحسين ، لا والله. فكفنه ثم كفن مولاه في كفن آخر» [16] .

والمستفاد من هذه النصوص الروائية والتاريخية أن دفن الإمام الحسين والمستشهدين بين يديه كان قد تم في نفس اليوم الذي ارتحل فيه ابن سعد عن كربلاء، وهو اليوم الحادي عشر، وكان ذلك عصراً لأن ابن سعد قد ارتحل عن كربلاء فيه بعد الزوال وعلى أيدي بني أسد.

الرأي الثاني: أن من دفن سيد الشهداء الإمام الحسين هو الإمام زين العابدين وقد ساعده بنو أسد في بقية الشهداء دون أبيه الحسين والعباس عليهما السلام وهو ما أحدثه واختاره الشيخ الدربندي «ت 1285 هــ» في كتابه أسرار الشهادة:

قال في كتابه: «فاعلم أنه ذكر بعض الثقات أنه روى «السيد نعمة الله الجزائري» في كتاب «مدينة العلم» عن رجاله، عن عبدالله الأسدي أنه قال: وكان إلى جنب العلقمي حي من بني أسد، فتمشت نساء ذلك الحي إلى المعركة فرأو جثث أولاد الرسول وأفلاذ حشاشة الزهراء البتول، وأولاد علي أمير المؤمنين فحل الفحول، وجثث أولادهم، في تلك الأصحار وهاتيك القفار، تشحب الدماء من جراحاتهم كأنهم قتلوا في تلك الساعة، فتداخل النساء في ذلك المقام العجب.

فابتدرن إلى حيهن وقلن لأزواجهن ما شاهدنه، ثم قلن لهم: بماذا تعتذرون من رسول الله ﷺ وأمير المؤمنين وفاطمة الزهراء إذا وردتم عليهم، حيث أنكم لم تنصروا أولاده ولا دافعتم عنهم بضربة سيف ولا بطعنة رمح ولا بحدقة سهم؟ فقالوا لهن:

إنا نخاف من بني أمية، وقد لحقتهم الذلة وشملتهم الندامة من حيث لا تنفعهم.

وبقين النسوة يجلن ويقلن لهم:

إن فاتتكم نصرة تلك العصابة النبوية والذب عن هاتيك الشنشنة العلية العلوية، فقوموا الآن إلى أجسادهم الزكية فواروها، فإن اللعين ابن سعد قد وارى أجساد من أراد مواراته من قومه، فبادروا إلى مواراة أجساد آل رسول الله ﷺ وارفعوا عنكم بذلك العار، فماذا تقولون إذ قالت العرب لكم أنكم لن تنصروا إبن بنت نبيكم مع قربه وحلوله بناديكم؟ فقوموا واغسلوا بعض الدرن منكم، قالوا: نفعل ذلك.

فأتوا إلى المعركة وصارت همتهم أولاً أن يواروا جثة الحسين ثم الباقين.

فجعلوا ينظرون الجثث في المعركة فلم يعرفوا جثة الحسين من بين تلك الجثث لأنها بلا رؤوس وقد غيرتها الشموس، فبينما هم كذلك وإذا بفارس مقبل إليهم، حتى قاربهم قال:

ما بالكم؟ قالوا: إنا أتينا لنواري جثة الحسين وجثث ولده وأنصاره ولم نعرف جثة الحسين.

فلما سمع ذلك حن وأن، وجعل ينادي وا أبتاه، وا أبا عبدالله، ليتك حاضراً وتراني أسيراً ذليلاً، ثم قال لهم: أنا أرشدكم إليه، فنزل عن جواده وجعل يتخطى القتلى، فوقع نظره على جسد الحسين فاحتضنه وهو يبكي ويقول:

يا أبتاه، بقتلك قرت عيون الشامتين، يا أبتاه بقتلك فرحت بنو أمية، يا أبتاه بعدك طال كربنا.

قال: ثم أنه مشى قريباً من محل جثته فأهال يسيراً من التراب فبان قبر محفور ولحد مشقوق أنزل الجثة الشريفة وواراها في ذلك المرقد الشريف كما هو الآن.

قال: ثم أنه جعل يقول: هذا فلان وهذا فلان، والأسديون يواروهم فلما فرغ منهم مشى إلى جثة العباس ابن أمير المؤمنين، فانحنى عليها وجعل ينتحب ويقول: « يا عماه، ليتك تنظر حال الحرم والبنات وهن تنادين » وا عطشاه وا غربتاه "، ثم أمر بحفرة لحده وواراه هناك.

ثم عطف على جثث الأنصار وحفر حفيرة واحدة، وواراهم فيها، إلا حبيب بن مظاهر حيث أبى بعض بني عمه ذلك، ودفنه ناحية عن الشهداء.

قال: فلما فرغ الأسديون من مواراتهم قال لهم:

هلموا لنواري جثة الحر الرياحي. قال: فتمشى وهم خلفه حتى وقف عليه وقال:

"أما أنت فقد قبل الله توبتك، وزاد في سعادتك ببذلك نفسك أمام ابن رسول الله ﷺ، وقال:

وأراد الأسديون حمله إلى محل الشهداء فقال: لا، بل في مكانه واروه.

قال: فلما فرغوا من مواراته ركب ذلك الفارس جواده، فتعلق به الأسديون فقالوا له: بحق من واريته بيدك من أنت، فقال: أنا حجة الله عليكم، أنا علي بن الحسين، جئت لأواري جثة أبي ومن معه من أخواتي وأعمامي وأولاد عمومتي وأنصارهم الذين بذلوا مهجهم دونه، والآن أنا راجع إلى سجن ابن زياد، وأما أنتم فهنيئاً لكم، لا تجزعوا إذ تضاموا فينا، فودعهم وانصرف عنهم، وأما الأسديون فإنهم رجعوا مع نسائهم إلى حيهم» [17] . انتهى ما نقله الدربندي عن السيد نعمة الله الجزائري كما يدعي.

وتبعه في كيفية الاستدلال الشيخ عباس القمي في كتابيه «نفس المهموم» و«ومنتهى الآمال» والسيد المقرم في كتابه «مقتل الحسين» كما مر ذكره ثم سرد قصة ذلك مع اختلاف بسيط عن الشيخ الدربندي [18] .

وهذا الرأي هو السائد اليوم على منابر الحسين مع أنه لم يقله إلا الشيخ الدربندي وهو في القرن الثالث عشر الهجري «ت 1285 هــ»، فكيف أصبح رأيه هو المشهور والسائد مع أن الشيخ المفيد وبقية العلماء المذكورين أعلاه سنة وشيعة لم يتبنوه؟ هذا ما نريد مناقشته.

ومن هنا ذكر السيد محسن الأمين - رحمه الله - في «رسالة التنزيه» التي كتبها لتنزيه الشعائر الحسينية والمنبر الحسيني مما عده من المحرمات: أن من جملة الأمور التي تعد من الكذب الصراح ويذكرها خطباء المنبر قصة مجيء الإمام السجاد من الكوفة إلى كربلاء لدفن أبيه سيد الشهداء وبقية الشهداء من أهل بيته وأصحابه[19] .

وهذه القصة لا يمكن الموافقة على ما جاء فيها لعدة أسباب:

الأول: أنها لم ترد في أي مصدر من المصادر على الإطلاق قبل كتاب أسرار الشهادة للدربندي حسب تتبعنا وإن كان لها فالتصدق بالعلم أفضل الصدقة.

الثاني: ليس لها إسناد يمكن التأكد منه ومن وثاقة ناقليه، ولم تنسب إلى أي معصوم.

الثالث: قوله «فجعلوا ينظرون الجثث في المعركة فلم يعرفوا جثة الحسين من بين تلك الجثث لأنها بلا رؤوس وقد غيرتها الشموس،...»

وفيه: ذكر أهل التاريخ أن سيد الشهداء أفرد خيمة في حومة الميدان وكان يأمر بحمل من قتل من صحبه وأهل بيته إليها، وكلما يؤتى بشهيد يقول عليه: قتلة مثل قتلة النبيين وآل النبيين. [20] 

والذي يبدو أن جثث الشهداء من الهاشميين كانت توضع في مكان، وغير الهاشميين من أصحاب الإمام توضع في مكان آخر لأن الإمام يعلم بنتيجة المعركة، وأن الرؤوس ستقطع، وبعدها سيصعب تمييز هوية الشهداء من أهل بيته وأصحابه ويؤكد ذلك جملة من الأمور:

منها: ما رواه الطبري عند استشهاد علي الأكبر: «وأقبل الحسين إلى ابنه وأقبل فتيانه إليه، فقال: احملوا أخاكم فحملوه من مصرعه حتى وضعوه بين يدي الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه» [21] .

ومنها ما رواه الطبري أيضاً في استشهاد القاسم بن الحسن:

«ثم احتمله «الحسين» فكأني أنظر إلى رجلي الغلام يخطان في الأرض، وقد وضع حسين صدره على صدره، قال «حميد بن مسلم» فقلت في نفسي: ما يصنع به! فجاء به حتى ألقاه مع ابنه على بن الحسين، وقتلى قد قتلت حوله من أهل بيته...» [22] .

وفي مقتل الحسين للخوارزمي: «فجاء به حتى ألقاه مع القتلى من أهل بيته» [23] .

وأورد الشيخ المفيد نصين مماثلين لما عند الطبري [24] .

ومنها ما رواه الشيخ المفيد عن كيفية دفن الشهداء: «.. وحفروا - بنو أسد - للشهداء من أهل بيته وأصحابه - الذين صرعوا حوله - مما يلي رجلي الحسين وجمعوهم فدفنوهم جميعا معا» [25] .

قال شمس الدين: فإن كلمة «جمعوهم» توحي بأنهم «الهاشميين وغير الهاشميين». كانوا متفرقين. وهذا القول يعزز الرأي بأن بني هاشم كانوا في موضع منفرد. ولكن كلمة «حوله» في هذا النص ربما توحي بأن جثث الشهداء من غير الهاشميين كانت متفرقة لم تجمع في مكان واحد، أو في مجموعات، وهو أمر بعيد جدا لما ذكرناه آنفا. وسنرى أن كلام المفيد مضطرب في هذا الشأن [26] .

ومع هذا لا معنى للقول أن بني أسد تحيروا من عدم معرفة الشهداء حتى أقبل عليهم زين العابدين بعد أن اتضح أن الإمام جعل لأهل بيته خيمة خاصة ولأصحابه خيمة خاصة.

الرابع: كيف أنهم لم يعرفوا الإمام زين العابدين وعلى الأقل أنه ولد الإمام الحسين : «حنَّ وأنَّ، وجعل ينادي وا أبتاه، وا أبا عبدالله، ليتك حاضراً وتراني أسيراً ذليلاً» وقد ذكر «وابتاه» مرة عندما اشتكوا إليه عدم معرفتهم بجثة الحسين ومرة عندما رآه وانكب عليه باكياً.

وعندما ذهب لمواراة العباس قال «وعمّاه» ومع كل هذه الدلائل لم يعرف الأسديون أنه ابن الحسين لذا تعلقوا به عندما انتهى من مواراة الشهداء وسألوه من أنت!!

الخامس: تناقض القصة مع الروايات التي يُدعى أن النبي دفن الإمام الحسين بشكل صريح - كما سيأتي بيانها - ولم تذكر أن النبي ساعد الإمام زين العابدين في الدفن، فقد جاء في القصة أنه مشى قريباً من محل جثته فأهال يسيراً من التراب، فبان قبر محفور ولحد مشقوق! فأنزل الجثة وواراها في ذلك المرقد الشريف كما هو الآن.

وهذا يؤكد أن النبي كان دوره حفر القبر فقط - كما هي بعض الروايات - ولم يشارك في عملية الدفن حسب هذه القصة، والحال أن هناك روايات تؤكد أن النبي دفن الإمام وحده - كما ستوافيك الروايات ومناقشتها - وحاصل هذه القصة أنها لم توفق بين تجهيز القبر من قبل النبي ودفنه.

السادس: إن السيد المقرم أورد في قصته أن بني أسد أرادوا مساعدة الإمام في دفن الحسين والعباس ولكنه رفض وقال «إن معي من يعينني» ولم يرد في هذه القصة مثلها. فمن أين أتى المقرم بهذه القصة. وهذا يدل على أنها مجرد قصة يزيد فيها كل واحد حسب نفسيته وقت كتابة الكتاب.

السيد نعمة الله الجزائري «1050 - 1112هـ» ودفن الإمام:

ادعى الدربندي كما نقل عن ثقاته والذين لم نعلم من هم وفي كتاب «مدينة العلم» المنسوب للسيد نعمة الله الجزائري ما مرّ ذكره. والواقع أنه لم يكن للسيد نعمة الله الجزائري كتاب اسمه «مدينة العلم» فكيف اعتبر الدربندي بهذا الكتاب؟ وكيف تعرف عليه؟ هذا ما لم يبينه؟

أما المعروف من مؤلفات السيد نعمة الله الجزائري، وقد تفحصهم آقا برزك الطهراني في كتابه الذريعة ما يلي:

قصص الأنبياء، الشرح الكبير لتهذيب الأحكام «في 12 مجلدا»، الشرح الصغير لتهذيب الأحكام «في 8 مجلدات»، شرح الاستبصار «في 3 مجلدات»، رياض الأبرار في مناقب أهل بيت الرسول «في 3 مجلدات»، شرح عوالي اللآلي «في مجلدين»، الأنوار العثمانية «في مجلدين»، زهر الربيع «في مجلدين».

كما أن المعروف من السيد نعمة الله - على فرض صحة نسبة الكتاب له - أنه كثير التسامح في نقل الروايات لكونه إخباري، فلا يعتمد التحقيق في الروايات، والغريب من الدربندي قوله:

«ولكن الحق والتحقيق على وفق ما نقل عن السيد الجزائري، وهو مما قد قواه أيضاً جمع من متأخري المتأخرين، وذلك حيث قالوا بعدما نقل كلام المفيد: أن هذا إنما هو في ظاهر الأمر، وإلا فإن الإمام لا يلي أمره إلا الإمام» [27] .

أقول: إن السر فيما ادعاه الدربندي في أسرار الشهادة هي الرواية التي ذكرها في الكلام السابق وهي: «لأن الإمام لا يلي أمره إلا إمام مثله». فاستدل على ذلك بالروايات التي أفادت أن الإمام لا يُغسله إلا إمام مثله.

ومثله قال الشيخ عباس القمي في منتهى الآمال فبعد أن نقل كلام الشيخ المفيد واعترف به ونقل كذلك كلام صاحب كامل البهائي ليدعم كلام الشيخ المفيد ولكنه كالدربندي لجأ إلى الجانب العقدي ليثبت القضية عقائدياً لا تاريخياً فقال:

«لا يخفى أنه وفقاً للأحاديث الصحيحة التي وصلت إلى علماء الإمامية لا بل ما يتفق مع أصول المذهب [28] ، أن الإمام لا يلي غسله وتكفينه ودفنه إلا إمام مثله، فمع أن طائفة من بني أسد هي التي دفنت سيد الشهداء بحسب الظاهر، ففي الواقع أن الإمام زين العابدين قدم ودفنه كما صرح الإمام الرضا في احتجاجه مع الواقفية» [29] . ومثلهما السيد المقرم في كتابه مقتل الحسين كما مرّ ذكره.

ومن الواضح أن الدربندي في استدلاله هذا لم يرتكز على أمرين:

- سيرة التاريخ على مرّ التاريخ وإلى القرن الثالث عشر وبالخصوص وقت كتابة الدربندي «أسرار الشهادة» فلم يوجد من يتبنى فكرته.

- روايات تثبت حضور الإمام زين العابدين لدفن أبيه وسيأتي مناقشة بعض الروايات.

ومن هنا لابد من مناقشة ما استدلوا به في إثبات حضور الإمام زين العابدين لمواراة الإمام الحسين والشهداء.

[1]  الارشاد - ج1 - ص 114، مروج الذهب ج3 - ص 63، المناقب ج4 - ص 112، اللهوف - ص 84، إعلام الورى بأعلام الهدى - ص 290 مثير الأحزان - ص 65، العوالم، الإمام الحسين - ص 367، بحار الأنوار ج45 - 107، مقتل الحسين برواية أبي مخنف - ص 202، مقتل الخوارزمي - ج2 - ص 44 وتاريخ الطبري ج 3 - ص 335، الكامل في التاريخ - ابن الاثير ج 3 - 433، تذكرة الخواص - ص 145.
[2]  الإرشاد - الشيخ المفيد - ج 2 - ص 114
[3]  المناقب 4: 112.
[4]  مثير الأحزان: 85، اللهوف: 190.
[5]  منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل - الشيخ القمي - ج1 - ص 564.
[6]  كامل البهائي ج ج2 - ص 287 - 288.
[7]  منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل - الشيخ القمي - ج1 - ص 564.
[8]  ترجمة الإمام الحسين " من الطبقات: 81.
[9]  ينابيع المودة 2: 350
[10]  مدينة الحسين - ص 64
[11]  الأمالي - الشيخ الطوسي - ص 326
[12]  كامل الزيارات - ابن قولويه - هامش ص 444
[13]  تاريخ الطبري - الطبري - ج3 - ص 335.
[14]  أنساب الأشراف ج3 - ص 411
[15]  مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 - ص 44.
[16]  تذكرة الخواص - ص 145.
[17]  أكسير العبادات في أسرار الشهادات ج3 - ص 225 - 227.
[18]  راجع مقتل الحسين - المقرم - ص 320.
[19]  أعيان الشيعة ج10 ص375
[20]  تاريخ الطبري ج6 - ص 256، كامل ابن الأثير ج4 - 30، الأرشاد للشيخ المفيد ج
[21]  تاريخ الطبري ج4 - ص 341، البداية والنهاية ج8 - ص 201، مقاتل الطالبيين - ص 77، الإرشاد للشيخ المفيد - 329، مقتل أبي مخنف 164، مقتل الحسين للخوارزمي ج2 - 31
[22]  تاريخ الطبري ج4 - ص 342، البداية والنهاية ج8 - ص 202، مقتل أبي مخنف 170،
[23]  مقتل الحسين للخوارزمي ج2 - 32.
[24]  الإرشاد للشيخ المفيد - 239 - 240
[25]  تاريخ الطبري ج4 - ص 343، الإرشاد للشيخ المفيد - 329، مقتل أبي مخنف 164، إعلام الورى ج1 - ص 37، لواعج الأشجان - 199
[26]  أنصار الحسين - محمد مهدي شمس الدين - ص 177
[27]  أكسير العبادات في أسرار الشهادات ج3 - ص 225 - 227.
[28]  سيأتي الحديث منا عن الضرورة المذهبية في مقال خاص فانتظر.
[29]  منتهى الآمال في تاريخ النبي والآل - الشيخ القمي - ج1 - ص 564.