آخر تحديث: 18 / 2 / 2020م - 8:17 ص  بتوقيت مكة المكرمة

مجتمع المؤسسات المنعشة 5

بدر شبيب الشبيب *

لا أدري كيف قفزت إلى ذهني دعاية قديمة جدا عن أحد المشروبات الغازية، «دعاية مغبرة» كما يقول شباب وشابات اليوم. الدعاية كانت في بيتين من الشعر:

إذا ما الصيف أورثك الخمولا
وصار الجسم مرتخيا كسولا
لتنتعش القوى والجسم يصحو
عليك بشربة من «......»

لم أشأ ذكر اسم المشروب الغازي حتى لا يكون في المقال دعاية مجانية له، ولذا اكتفيت بالنقط بين قوسين، تاركا للقارئ أن يضع المشروب الذي يحب داخلهما. لكن عليه أن يلاحظ بأن هناك مشروبات انقرضت ومشروبات وُلدت بعد هذين البيتين، فقانون «الأيام دُوَل» يسري حتى على هذه المشروبات. الوحيدون الذين لا يصدقون ذلك هم الحكام العرب حتى بعد الربيع العربي.

أظن أن استغراقي في مقالات الانتعاش أوجد نبشا في ذاكرتي التي تحتاج لمعالج processor من نوع خاص ربما لا يتوفر في الأسواق حاليا كي تستعيد عافيتها وذكرياتها، فهي تشبه ما كان يعرف بالأقراص المرنة Floppy disks ذات السعة التخزينية المتواضعة، والتي لم تعد تعمل لعدم وجود سواقات drives لها في الأجهزة الحديثة.

أقول: إن استغراقي في مقالات الانتعاش أوجد نبشا في ذاكرتي أعاد لواجهتها هذه الدعاية التي ربطت الانتعاش بشراب غازي في موسم الخمول، وهو الصيف، وكأن مواسمنا الأخرى تشكو من فرط النشاط والحيوية. هل تذكرون الدراسة التي تقول بأن الموظف المصري يعمل نصف ساعة يوميا فقط من أصل 7 إلى 8 ساعات عمل يوميا؟ هذه الدراسة لم تلاحظ موسما ما، وكما قلنا فإن الموظف العربي بشكل عام ليس بأحسن حالا من أخيه المصري، بل هو يواسيه في ذلك كل المواساة.

دعاية في بيتين من الشعر الفصيح!! كان هذا قبل ما أسماه الكاتب المصري جلال أمين ب «عصر الجماهير الغفيرة» يومَ كان لكل شيء طعم مختلف وإيقاع مختلف أيضا. الجيل الجديد ذو الإيقاع السريع حتى في الوجبات لن يتوقف لقراءة بيتين من الشعر ليكتشف في الأخير أنها مجرد دعاية. الجيل الجديد هو جيل الصورة السريعة، أو اللقطة الخاطفة والجملة الخاطفة. وهذا ما ينبغي أن ينتبه له العاملون في المجال التربوي من مدرسين وخطباء وموجهين ومؤلفين وغيرهم. والكلام في هذا طويل.

أعود للبيتين اللذين قفزا لذاكرتي، وربطا الانتعاش بالمشروب الغازي رغم عدم وجود علاقة، إلا نفسية طبعا، يعرفها المدمنون على هذه المشروبات حق المعرفة، ولستُ بحمد الله منهم. المشروب الغازي قد يُحدث حالة انتعاشية مؤقتة، قد نسميها «الحالة الفوارة»، وهي حالة مرتبطة بالمزاج القابل للتغير السريع انبساطا وانقباضا. مزاج «الحالة الفوارة» هو الذي يُسَير الكثير من مشاريعنا اليوم، ومن بينها المؤسسات المنعشة التي تنتعش فترات معينة بسبب انتعاش مزاج القائمين عليها، ثم تنتكس حالتها لانقباض مزاجهم، أو لاستبدالهم بآخرين أقل انتعاشا.

وهذا ما يدعونا إلى إعادة التفكير في طريقة وأسلوب إدارة هذه المؤسسات بحيث تتحول بالفعل إلى إدارة مؤسسية لا تخضع لتغيرات المزاج وتقلباته. فإذا أردنا لمؤسساتنا أن تظل منتعشة ومنعشة، فإن من الضروري العمل على نقلها من «الحالة الفوارة» إلى «الحالة المؤسسية». الجمعية الوطنية لتقدم الملونين NAACP هي جمعية أمريكية للدفاع عن حقوق السود، تأسست عام 1909 وبقيت إلى اليوم تعمل بكفاءة عالية، وأعضاؤها بالآلاف يناضلون من أجل رسالة العدالة الاجتماعية في أمريكا، حتى بعد حصول السود على حقوقهم المدنية التي كافحوا طويلا لتحقيقها. وكان لهذه الجمعية - كما ذكرنا في مقال سابق - دور تاريخي كبير في تمكين السود وتنميتهم ورفدهم بالقادة الذين لعبوا أدوارا هامة في حركة الحقوق المدنية أمثال مارتن لوثر كينج ومدغار إيفرز وروزا باركس.

هذه الجمعية وأمثالها ما كان لها أن تستمر في عملها بانتعاش لولا «الحالة المؤسسية» التي ترسخت فيها وطبعت شخصيتها. وهذا شأن المؤسسات المنعشة في الدول المتقدمة حيث لا ترتضي الإنعاش المؤقت بالمشروب الفوار أو ببيتين منعشين من الشعر.

وللحديث بقية.