آخر تحديث: 22 / 8 / 2019م - 6:30 م  بتوقيت مكة المكرمة

أسئلة الثقافة السعودية الراهنة

حسن المصطفى * صحيفة الرياض

نشرت صحيفة ”الشرق الأوسط“، مقالاً للناقد السعودي محمد العباس، بعنوان ”دراما الصمت في المشهد الثقافي السعودي“، أثار فيها العديد من الأسئلة المهمة، التي تخص التغيرات المؤسساتية والوظيفية والمفهومية للثقافة في المملكة. وهي تغيرات تتم بشكل سريع متداخل، على تماس مع الناس، وبعيدة عنهم في آن معاً، وبوتيرة لم يعهدها المثقفون والفنانون من قبل، ما أحالهم إلى المتابعة بصمت أحياناً، وربما الدهشة، وقليل منهم من سعى لأن يكون ضمن حركة التاريخ الجديد لا خارجه.

العباس في محاججته، يرمي كرة النار في ملعب المثقفين، رغم كونه واحداً من هؤلاء الذين تشتعل النار بين أيديهم. إلا أن الفرق أنه في الوقت الذي يخشى فيه الآخرون من حجم اللهب، يرى فيه العباس جذوة آخذة في التشكل نحو ”بردايم“ ثقافي جديد، مختلف، إيجابي النتائج، رغم كل ما يقال عن سطحية بعض الأفكار والمشروعات وارتجاليتها، أو بروز نجوم السوشال ميديا وتصويرهم كرموز ثقافية، فيما هم مجرد أفراد عاديين نجحوا في لعبة التواصل الاجتماعي والدعاية، واجترحوا خطاباً جاذباً، يراه كثيرون - وأنا واحد منهم - خاوياً!

هنالك تجارب ثقافية جديدة آخذة في التشكل، قد تكون ناجحة أو قاصرة، إلا أن أصحابها لهم الحق في اجتراح فضاءاتهم الخاصة، وبناء عوالمهم. وإلا سنكون كمن يمارس وصاية غير ممكنة، وممجوجة، على عقلية الآخرين. وهذه الوصاية تتناقض وما يدعي المثقفون الإيمان به من حرية التعبير، وحرية اختيار الأفكار، وتجاور الثقافات.

هذا الهلع الذي لدى شريحة من المثقفين، كما أشار الكاتب العباس، يعود ربما لعدم قدرتهم على المبادرة، أو تعودهم أن يحج إليهم في بروجهم العالية، أو بعدهم عن حركة الجيل الجديد وأفكاره، وأيضاً لفقدان الكثير منهم لإمكانية التفكير الخلاق المتجاوز للماضي والذاتي.

هنالك فاصل ليس زمنياً وحسب، بل معرفياً أيضاً بين الأجيال الجديدة والخطاب الثقافي التقليدي في المملكة، حتى ذلك الحداثي منه، الذي تفاخر طويلاً بأنه دافع عن مدنية المجتمع. إلا أن هذه المنقبة من جانب آخر، تجرد الثقافة من ماهيتها، وتجعلها وظيفية الوجود والغاية.

الأفكار المدنية الحديثة التي على المثقفين السعي إلى تأسيسها مجتمعياً، لا يمكن أن تكون لها القوة ما لم تتحول إلى رؤية فلسفية، ومشروع عملاني قابل للتطبيق، وأن يشارك فيه الجميع، بمن فيهم المؤسسات الحكومية، المجتمع المدني، وعامة الناس.

وزير الثقافة الأمير بدر بن عبدالله، ولكونه على قمة الهرم المؤسساتي الثقافي، معني أيضاً بهذا النقاش، ومآلاته. فالوزارة وأذرعها في طور التشكل، والعمل على بناء رؤية شاملة، يمتزج فيها المعرفي بالترفيهي، والنخبوي بالشعبي، والتجاري بالمجرد عن النفع المادي.. وهذا التداخل المفاهيمي والإداري لا يمكن حله ببساطة، دون تحديد المسارات، والأهم دون إعادة تعريف للثقافة التي يراد بناؤها، والتي يتم الاشتغال عليها.

نقاش يحتاج لأكثر من ورشة عمل، وليس مجرد مقالات أو تغريدات سريعة وعابرة.