آخر تحديث: 2 / 6 / 2020م - 10:58 ص  بتوقيت مكة المكرمة

«اُسْكُتْ!! أمامك إشارةٌ حمراء»

كمال بن علي آل محسن

”إشارة المرور الضوئية هي أجهزةُ إشارةٍ تُوْضَعُ في تقاطعاتِ الطرق أو أماكن عبورِ المشاة؛ لتنظيم حركةِ السير وللسيطرةِ على تدفقِ حركةِ المرور بشكلٍ آمن باستخدامِ أضواءٍ ملونة تبعًا لنظامٍ متفقٍ عليه عالميًّا. تضيء جميعُ الإشاراتِ بلونين رئيسين: الضوء الأحمر ويعني التوقف، والضوء الأخضر ويعني السماح بالعبور“

نحن البشر نلتزمُ ونتقيدُ بأنظمةِ وقوانينِ المرور، ولا نجرُؤ - على الأعمِ الأغلب - من أنْ نتجاوزَ تلك الإشارة المرعبة التي لا تمتلكُ شيئًا من المشاعرِ والأحاسيس، ولا تتأثرُ إيجابًا أو سلبًا بتجاوزِ سائقٍ حينما تومضُ له باللونِ الأحمر كي يتوقف، لا يعنيها بتاتًا كل تلك التجاوزات مهما بلغت درجتها وحِدَّتُهَا وأعدادها، إنّ كلَّ ما تفعله هو أمرٌ واحدٌ لا غير وهو تسجيل المخالفات المرورية عن طريق كاميرا مزروعة بجوارها ترصدُ وتقيدُ كلَّ شاردةٍ وواردةٍ.

يقودُ أغلبُ الناسِ في الطرقاتِ مركباتِهم مراعيين عدم خَدْشِ أو جرحِ مشاعر وعاطفة تلك الإشارة الجامدة المتحجرة، فلا يتجاوزونها ما دامت تومضُ باللونِ الأحمر، مع أنها تفتقرُ لأي مفردة من المشاعرِ أو الوعي أو الإدراكِ، لكنهم في اتجاهٍ آخر وعلى طُرقٍ مختلفةٍ في السِّمات يتجاوزون - وبكل بساطة - كل ما هو أحمر فيما بينهم، يتجاوزون الإشارةَ الحمراء في قوانين أخرى غير قوانين المرور، إنها قوانين الأخلاق، مع أنَّ اللونَ هو نفسُ اللونِ، والأخطار هي نفس الأخطار بل أكثر وأكبر وأعمق وأشد، فلا يكترثون ولا يقيمون وزنًا لمشاعر بعضهم البعض، ويستمرون ويواظبون ويتمادون في التجاوزِ مرةً تلو مرة، مستهينين بقوانين الأخلاق وضاربين بها عرض الحائط، فلا عقوبات جنائية رادعة ستطالهم ولا غرامات مالية سيدفعونها مقابل كل تلك التجاوزات.

يا سادة! إنَّ تجاوزَ الإشارةِ الحمراء في قوانينِ الأخلاق التي تنظمُ سلوكَ الناسِ وتحددُ علاقاتهم مع بعضهم البعض أسوأُ وبمراحلٍ من تجاوزِ الإشارةِ الحمراء في قوانينِ المرور. وكلما تكرر هذا الفعل فإنه سيؤدي إلى نتائجَ وخيمةٍ وعواقبَ قاسيةٍ، وسيوصلُ إلى مآلاتٍ سيئةٍ ونهاياتٍ طُرقها مسدودة، حيث العلاقات البشرية تتصدع وتتهدم، وخطوط التواصل الإنساني تتمزق وتنقطع، وكل ما هو جميل فيمن تربطنا بهم علاقات قرابةٍ وصداقةٍ وودٍّ ومحبةٍ يتكسر ويتدمر.

ثمة أمور حينما نفعلها فمن الواجب والضروري علينا أنْ نتوخى أقصى درجاتِ الحذرِ والحيطةِ منها، وأن نتوقع الآثار المترتبة عليها قبلَ أنْ نقومَ بها، ولا بد لنا من أنْ نستشرفَ عواقبها ومنتهاها إنْ نحن مارسناها، ومن أهم تلك الأمور تجاوز الإشارة الحمراء في أخلاقنا مع الآخرين، وخصوصًا مع المقربين منا؛ لذا علينا التوقف تمامًا ووضع الحدودِ والحواجزِ التي تمنعنا من فعلِ هذا الأمر، حتى لا نخسر الكثير ونضطر لدفعِ غراماتٍ أثمن وأغلى من النقود...

إنَّ الوقوفَ بثباتٍ وهدوءٍ عندما يكونُ الضوءُ أحمرَ، ثم العبور والانطلاق حينما يومضُ اللون الأخضر هو التصرفُ الحسن والرائع والبديع لمن يمتلك مهارات الذكاء الاجتماعي حيث الابتسامة الدائمة والموازنة بين الأقوال والأفعال، ولمن يريد أن يتوقَ الناسُ لمجالستهِ ومنادمتهِ والاستمتاعِ بصحبته وطيبِ حديثه وروعةِ أسلوبهِ ومنطقهِ.