آخر تحديث: 17 / 8 / 2019م - 12:47 م  بتوقيت مكة المكرمة

غبطة الذين يكتبون البساطة

محمد الحرز صحيفة اليوم

أغبط الأشخاص الذين لا يملون من الكتابة أو يسأمون منها. يظل الواحد منهم يكتب بنفس واحد، وبإيقاع يكاد يكون آليا، ومهما تغيرت الأحوال والظروف، أو تبدلت المواقع وانقلبت الأحداث يظل الشخص هو هو، يكتب وكأنه مفصول عن العالم، أو كأن يده وحواسه مبرمجة على فعل الكتابة لأجل الكتابة فقط.

أغبط مثل هؤلاء كونهم يلامسون سطح الكتابة ولا يذهبون إلى عمقها، كونهم يتجنبون الكمائن والحفر العميقة التي تصادفهم أثناء الكتابة، ولا يقعون في شراكها، كونهم يأخذون معهم شرطي مرور يؤمن لهم سلامة الطريق، ويرشدهم إلى مخارج الطوارئ وقت الضرورة، ويعطيهم أدوات السلامة كي يعودوا من رحلتهم سالمين.

أغبطهم لأن الشخص الذي يمارس اللعب والضحك والمزاح بين مرافقيه، وهو على ظهر سفينة وسط البحر، حيث الأمواج الخطيرة تضربها من كل صوب، ولا يقلق على نفسه من الموت، ورغم ذلك يصل إلى بر الأمان وكأنه يعلم مسبقا بنجاته، هو شخص محظوظ، يعيش بساطة الحياة مثلما يعيشها أثناء الكتابة.

البساطة هنا لا تعني السذاجة، ولا تعني اللامبالاة، تعني شيئا واحدا: الإحساس بالحياة وردود أفعالها لا يستوطن العمق من التفكير، ولا يعيش خلف أبوابه السرية المغلقة، يعبر سريعا في أغلب الأحوال من الحواس إلى اليد إلى الكتابة وكأن قطارا سريعا مر على محطتك وأنت لم تنتبه لمروره.

مثل هؤلاء نصادفهم كثيرا في عالم الكتابة، وهم مطلوبون على كل حال، فلولاهم لا توجد للكتابة رافعة فولاذية تقيها من تآكل الزمن، وعبث الريح ورعب العاصفة. مطلوبون لا لاعتبارهم مكملين للعدد في لعبة بيلوت أو الروليت أو كومبارس على مسرح أو مجرد جوقة موسيقية تعزف حسب الطلب، لا ليس المقصد يرمي إلى ذلك.

مطلوبون كون الكتابة لم تكن تتنفس برئة واحدة في الحياة عبر تاريخها الطويل، بل برئتين اثنتين، وإلا لكانت ماتت من زمن ليس بالقصير، ولن تجدي عندها كل محاولات الإنعاش الصناعي في إحيائها من جديد.

الرئة الأولى كل المعارف التي جاءتنا من المفكرين والفلاسفة والأدباء والعباقرة والعلماء والأنبياء والمصلحين الذين أعطوا للحياة قيمة ومعنى حتى أصبحت الكلمة المرتبطة بالكتابة لها طابع القداسة. أصحاب هؤلاء المعارف هم قلة من البشر، صنعوا ما يتطلبه الإنسان من احتياجات روحية ومادية في نفس الوقت، حيث كل الحضارات في التاريخ قامت على تلك الاحتياجات.

قد يرد على ذهن أحدهم الاعتراض التالي: الكتابة ليست الوحيدة التي حفظت تلك المعارف عبر التاريخ؟ قد يبدو ذلك صحيحا إذا نظرنا إلى الكتابة بوصفها عملية ممارسة بين اليد من جهة والورقة أو القرطاس من جهة أخرى. بل هي أوسع معنى من ذلك، هي كل الآثار التي تركها الإنسان في الحياة بتأثير الزمن على أشياء العالم: الصحاري والغابات والوديان والجبال والمدن.. إلخ. من هنا تكمن الأهمية حينما نضع الكتابة مثل هذا الموضع من الأهمية.

أما الرئة الأخرى فهم هؤلاء الذين نتحدث عنهم هنا، الذين أعطاهم الله موهبة البساطة في التعامل مع الحياة ومن ثم مع الكتابة. لكن الأهمية التي يحوزونها في التاريخ هي كونهم الجسر الذي يوصل التاريخ إلى الضفة الأخرى، وبعد أن يصل يلتفت إلى الخلف ويأمر حراسه بهدمه، ولأعطي مثالا واحدا بسيطا من التاريخ.

ألا تفترضون معي أن هناك آلافا من الشعراء الذين جاءوا بعد المتنبي من قرن إلى آخر وحاولوا أن يقلدوه، هل نجحوا جميعهم في الوصول إلى مكانته الشعرية أو على مستوى شهرته؟ يمكن القلة القليلة وصلت. لكن أين البقية؟ البقية هم هؤلاء الذين نتحدث عنهم، فلولاهم رغم أننا لا نعرفهم إلا أنهم هم الجسر بعد أن هدموه.