آخر تحديث: 17 / 8 / 2019م - 12:47 م  بتوقيت مكة المكرمة

الطوفان القادم من الشَرّ

ليالي الفرج * صحيفة الرأي السعودي

مهما تبدو «العصرنة» الحديثة ذات فعل جاذب، بفضل إمكاناتها المادية وعروشها التقنية المتسلّطة على مجمل المفاهيم الحياتية والثقافية للمجتمعات، فإنّ الوعي البصير لا يمكن أن يتجاوز - في هذا العصر بالذات - أبشع السياقات الإنسانية التي تستهلك الإنسان روحًا وفكرًا، دونما فعل يقظ أو تفاعل باصر.

ومن المؤكد، أنّ فعل الانسياق وراء أمواج التعبئة لصناعة «الروح الاستهلاكية»، لا يغادر إلا ورماد كرات النّار تلك يخمد أنفاس الحياة الملهمة.

وما تقرأه «السذاجة المستهلكة» كانبهارٍ بقشريات ألعاب الفيديو خلال ساعات اليوم التي ضاقت ذرعًا وامتلأت حركة من جمود، هو مشهد دراماتيكي يتحدث عن هزيمة «الوعي المستهلك» أمام ترسانة الإنتاج المنتهي باستلاب الوعي النفسي والاجتماعي في ثقافة ناشئة اليوم.

ليضع كلّ منّا هذا السؤال أمامه: هل ثمة بيت من بيوتنا لم تخترقه هذه «الثقافة البلهاء» التي تكدّست لحظات الألعاب العنيفة فيها، وراحت وراء الخداع المضلّل تستنزف الوقت والمال والصحة؟.

كان الحديث عن إحدى الألعاب الإلكترونية المملوءة صخبًا وعنفوانًا أجوف، «لعبة بَبْجِي»، يملأ أخبار الصحف، منذ شهور، في كثير من بلدان العالم، إلى أنّ قررت مجموعة واسعة من هذه البلدان حجب هذه اللعبة وفرض عقوبات على كل مروجيها، كونها تسببت في جنوح سلوكي، ونفسي، وتربوي، في البيئة الشبابية بتلك البلدان.

كما نتج عنها تأخر ملحوظ في التحصيل التعليمي، وشيوع لظاهرة العزلة والميل لمداومة اللعب عبر منصات مع أقران، يتم تشبيكهم خلالها، مهما تفاوتت أعمارهم أو تباينت أخلاقياتهم وثقافاتهم!.

وبطبيعة الحال، فإن هذا هو من النتائج التي لا يهتم بها المنتج المُتَاجر بوعي الناشئة والشباب، فما هو مهم لديه هو ما يدخل أرصدة حساباته المصرفية كمردودات مالية هائلة، عبر بطاقات الألعاب التي يتم تسويقها بطرق متعددة حتى في البسطات الشعبية، وتتوسع آلياتها يومًا بعد يوم، طمعًا في التحليق برأس المال الماديّ على حساب أهم مكوّن في حياة المجتمعات، فئة الشباب كغنائم مضمونة.

عن هذا اللعبة غطّت بعض الأخبار قلق بعض الأعضاء في مجلس الشورى ببلادنا، وحرصهم على وضع النظم التي يتطلبها الحال بتحصين الوعي الشبابي وعدم تعريضه لما يهشّم معنوياته وفكره وحياته.

هذه خطوة مهمة، فمن يتناسى الحاجة لتقنين هذه الألعاب، أو يتأخر في ذلك، قد يخسر الأهم في موازنته التنموية، خسارة المورد البشري الأكبر، وهم الشباب.

وإن ثياب ألعاب الجرافيكس العالية الدقّة الرسومية، باتت شِراكًا يتوعّد النشء والشباب في العالم، لننبهر بأن هذه الشركة أو تلك هي أعظم شركة وأن صاحبها هو أغنى شخصيات المال التجاري في العالم.

أيًا كان مصدر الطوفان، من الغرب أو من الشرق، فالحيتان الزّرْق أو السّود أو غيرها تفترس براءة شبابنا، وذلك من الشرّ.

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.