آخر تحديث: 22 / 11 / 2019م - 10:45 م  بتوقيت مكة المكرمة

كتابة الحب لا الكراهية

محمد الحرز صحيفة اليوم

الحب هو حافزي الأكبر ودافعي العميق للكتابة، لذلك ليس سهلا على المرء أن يكتب بدافع الكراهية، وإن وجد فإن الكتابة تكون مشوهة لا تخلو من نتوءات بارزة، وحفر كثيرة مثل وجه استوطنه مرض الجدري. الحب هو امتداد الحياة داخل الكتابة بينما الكراهية هي عملية طرد مستمر للحياة من داخل الكتابة نفسها. الحب رغبة جامحة تسري في الجسد، تتحول إلى حمى قاتلة في أغلب الأحيان إذا لم تجد لها منافذ تذهب من خلالها إلى الخارج وتلامس أشياء العالم، الحب أكبر من اللغة ومن سلطتها، ولا شيء يدجنه، حاولت اللغة مرارا عبر تاريخها. لكنها لم تستطع، كتب الكثيرون، من هنا وهناك عباقرة لغويون، فلاسفة، وأدباء وشعراء، وروائيون سطروا من خلالها القصص والكتب وسردوا معاناتهم وهوسهم بالحب بشتى أنواعه من الحب الأفلاطوني إلى الحب الجسدي.

لكن السؤال يبقى ناهضا في وجه اللغة: متى يتوقف هذا اللهاث المهلك للغة خلف الحصان الجامح للحب في مضمار الحياة؟! وكأن مأساة اللغة مع الحب تشبه مأساة أديب حين تظن اللغة أنها سيطرت على الحب واحتوته عندما كتبته وإلى الأبد. لكنها سرعان ما تكتشف هذا الوهم عندما تلقي نظرة على التجدد المستمر للحياة، عبر التجدد المستمر لكائناتها الوجودية.

أنا هنا أنتصر للحب، وشعوري لا يكف يقول لي: التفت إلى من حولك، تنبه إلى الأشياء الصغيرة حين تعبر في حياتك اليومية، ضعها موضع النظر والتفكير. شجرة تسند ظهرك عليها للتو بللها مطر خفيف، نهر يزورك في منامك ويسمعك موسيقى أعماقه، طفل يداعب لعبته ويبتسم لك، امرأة جميلة عابرة تحضن طفلها بحنان. مثل هذه المواقف تربك اللغة حتى وإن استطاع الكاتب تثبيتها في إطار، وتقديمها للمتلقي على شكل قصيدة أو قصة أو سرد، يبقى هناك شيء غامض يستعصي الإمساك به أو الإحاطة به، لأن اللغة بواسطة الكتابة لا ترى هذه الأشياء إلا عبر تلسكوب دقيق، وهذا لا تمتلكه الكتابة، ما تمتلكه هذه الأخيرة هي الأشياء الواضحة التي تؤثر في الإنسان لحظة حدوثها، وتسبب له شرخا عاطفيا وجسديا بارزا في لحظته تلك، بينما تلك الأشياء الصغيرة تظل متخفية خلف ستار شفيف لا اللغة تراه ولا الكتابة تلتقطه، بينما هي تظل تنمو مثل دودة في جسد المرء حتى تكبر ثم تبدأ في التأثير لاحقا.

لذلك عندما تتأمل لغات العالم عبر قواميسها أو معاجمها تجد الكلمات الدالة على الحب أقل استعمالا فيما لو قابلناها بالكلمات الدالة على الكراهية، رغم أن هناك فلسفات عظيمة ومؤثرة قامت على مبدأ الحب الوجودي كابن عربي أو كيركيغارد.

ما يحدوني لهذا القول سببان، ليس منهما بالطبع السبب الذي يرتبط ببحث استقرائي في اللغة، هذا لا أدعيه، ولا باستطاعتي ذلك. لكنهما سببان من منظور تأمل فكري.

السبب الأول هو أن تاريخ الكراهية المرتبط بتاريخ الإنسان هو للأسف الأكثر تأثيرا والأكثر حضورا سواء كان على المستوى العلاقات الإنسانية أو الحضارية أو الوجودية.

ما عليك سوى أن تنظر لتاريخ الحروب والقتل والدمار الذي خلفته على نفسية الإنسان في وجوده ونظرته للحياة، وعليه لا بد أن تعكس اللغة تلك القساوة في تعابيرها التي ارتبطت بتاريخ الإنسان.

السبب الآخر الحب بناء محكم يحتاج إلى مجهود كبير بينما الكراهية هي الهدم بامتياز، وثمة بون شاسع بين هذا وذاك.

لكن سؤالي الأخير هل أكون متشائما إذا خرجت بهذه النتيجة؟ أليس من الضروري أن أكتب حبي متفائلا كي لا أقع في شرك التناقض؟!

من المهم أن نكون متفائلين بوصفنا كتابا أولا وبوصف الإحساس بدفق من نحبهم في دمائنا هو محركنا الأساس في الكتابة.