آخر تحديث: 18 / 11 / 2019م - 10:22 ص  بتوقيت مكة المكرمة

السنة والشيعة.. في «سجون» رئاسة أمن الدولة!

حليمة مظفر *

”كلمة ولو جبر خاطر.. وإلَّا سلام من بعيد..“ تستمع للصوت الذي يغني الأغنية الشهيرة، وترى أعضاء الفرقة الموسيقية خلفه يعزفون؛ فتُدرك دهشتك أن من هم أمامك من سجناء سجون رئاسة أمن الدولة أو كما يسميهم منسوبو المباحث العامة ب» النزلاء» لتأهيل وعيهم النفسي؛ يقضون محكوميات في قضايا تمس أمن الدولة والإرهاب.

هؤلاء ممن كانوا يوماً يحملون الرشاش ويعدون أجسادهم قنابل بشرية؛ استطاعوا بجهود منسوبي رئاسة أمن الدولة الكبيرة من رعاية نفسية وإنسانية ومهنية أن يستبدلوها بالعود والكمان والقانون والأورج والطبل ليقدموا معزوفات في حضور الفنان القدير عبادي الجوهر الذي صفق لهم ووقع على عود أحدهم.

تلك اللحظة؛ أدركت معنى تكوّن صداقة في سجون المباحث العامة بين علي الفقعسي كان قيادياً خطراً في تنظيم القاعدة التكفيرية محكوماً ب 36 عاماً، وبين زكريا صفوان من القطيف الذي كان متطرفاً شيعياً أيضاً؛ ووصلت صداقتهما أن كتب زكريا قصيدة من ثلاثين بيتاً في الفقعسي؛ وترى علاقتهما أمامك وهما يجلسان في الندوة التي أدارها بإبداع الإعلامي محمد الطميحي ضمن برنامجه الذي أسماه ليلتها «صناعة الأمل» وبجانبهما مساعد وطلال «منتميان سابقان للقاعدة»، على مسرح حفل برنامج «إدارة الوقت»، البرنامج العبقري الذي ساعد على تأهيل سجناء في قضايا خطرة، وتنفذه سجون المباحث العامة، وتشرفتُ بحضوره الأربعاء الماضي بدعوة كريمة وخاصة من رئاسة أمن الدولة، أتاحت لي التعرف على الفعاليات التي نفذها السجناء بأنفسهم تحت إشراف منسوبي المباحث العامة.

لكن العلاقة بين علي وزكريا ليست الوحيدة هناك، لقد لمست غيرها بنفسي وأنا أتجول بين السجناء في معارض وفعاليات «إدارة الوقت» حتى أني لم أكن أفرق بين السني والشيعي وهم يعملون معاً لإنجاح الفعاليات؛ إلا حين أبدأ بالحديث معهم والتعرف عليهم، وكان أولهم «حيدر» من القطيف وأخذ يصف لي برنامجهم اليومي في سجن المباحث العامة بالدمام، ويقول:» في هذه الساحة نجلس معاً المكون السني والمكون الشيعي نتنزه ونتبادل الحديث ونصلي معاً»، ولثانية أردتُ أن أستوعب جملته الأخيرة فسألته: تصلون معاً؟!، فأجاب بابتسامة مريحة: نعم بعض الفروض.

حينها نسيتُ ما كان يدور في بالي، فإجابته سبقت خواطري وأنا على أبواب سجن المباحث العامة بذهبان شمال جدة ذلك المساء، وهذه المرة الثانية لي حيث تشرفت بحضور فعاليات برنامج «إدارة الوقت» في موسمه الأول العام الماضي وهذا العام كان أكثر تطوراً وإتقاناً؛ حيث يتم إبراز إنتاج وإبداعات السجناء على مدى عام كامل في سجون المباحث العامة، ويظهر فيه جهد كبير من منسوبيه بمتابعة دقيقة من معالي رئيس جهاز أمن الدولة عبد العزيز الهويريني.

والمسألة لا تتوقف عند التعامل الإنساني الراقي الذي يجده السجناء والسجينات في قضايا الإرهاب وأمن الدولة، إنما كما يقول محمد وعثمان وعادل وغيرهم من زملائهم الذين التقيتهم بأن رئاسة أمن الدولة توفر لهم ما يحتاجونه من أدوات مهما غلا سعرها كل في مجاله، الفنون التشكيلية والشغل اليدوي والنجارة والطهي والموسيقى والتمثيل والفلكلور الشعبي حتى صناعة العطور والزراعة والإعلام، ولديهم ستديو ومطبوعات وقناة يعدون محتواها ويبثونها بأنفسهم داخل سجون المباحث وتُذاع داخلياً، وهم من داخل السجن يتابعون كل شيء يدور في مواقع التواصل الاجتماعي، هذا كله بجانب توفير المدربين والمتخصصين كي يتقنوا مهاراتهم التي بدأت كهوايات، ثم ترى من حولك أن السجناء ينفذون فعاليات المهرجان كخلية نحل بظل المتابعة الدقيقة من منسوبي المباحث العامة.

لقد التقيت بالسجناء وتحدثت معهم وشاهدت إبداعاتهم؛ وخرجت بعدها وكلّي فخر واعتزاز بانتمائي لوطن عظيم هو السعودية؛ ففي سجون رئاسة أمن الدولة من الرقي والإنسانية ما لا يُمكن أن تراه في أي بلد بالعالم.