آخر تحديث: 15 / 11 / 2019م - 5:52 ص  بتوقيت مكة المكرمة

سلم المجد خطوة خطوة

الدكتور أحمد الجبر *

من سنابسي صغير، يلهو بين سعفات النخيل وتداعب قدميه الحافيتين أمواج شاطئ سنابس إلى بروفيسور كبير ورئيس مركز الأبحاث السرطانية بجامعة ميتشيقن. سأحكي هنا قصة البرفيسور العزيز ياسر الضامن من سنابس العزيزة التي يجب يتخذها أبنائنا الأعزاء كمثال يحتذى على مستوى الناجحين المبدعين. بدلا من الضجيج الذي نسمعه من مثقفينا الكبار أصحاب الانجازات الصفرية.

ولد في سنابس العزيزة من عائلة اشتهرت بالذكاء والنبوغ. بدأ دراسته في مدرسة سنابس الابتدئية. حتى وصل للمرحلة الثانوية. قرر حينها الدراسة في أم الحمام. وهي القرية المختلفة عن سنابس كليا. في أم الحمام، ننطق الرقم سبعة ”سبعة“ أما سنابس فينطقونه ”سبعا“. بالرغم من ذلك، لم يكن حاجز اللغة هذا ليمنعه من تحقيق حلمه.

كان كما أتذكره في الصف الثالث ثانوي، كان من الطلاب الهادئين. لم يحب أبدا أن يكون في موضع الأضواء والشهرة. لم يكن يبحث عن التكريم والاحتفال كما بقية المتفوقين. بل كان يختار الجلوس في الصفوف الخلفية.

كان من بين الذين يكتمون الطموح في أنفسهم ويتكلمون بلغة الانجاز. تخرج الزميل من الثانوية وتوجه الى جامعة الملك سعود لدراسة العلوم الطبية. وهنا يتكرر ذكر أم الحمام في قصة صاحبنا ياسر. فقدت شائت الأقدار أن يكون زميله في السكن الجامعي طالب من أم الحمام وهو الدكتور سعيد محمد العقاقة.

بعد أن أنهى دراسته في جامعة الملك سعود تخرج بشهادة بكالوريس في العلوم الصحية في العام 2000 م. لقي وظيفة في وزارة الصحة كأخصائي مختبر بمستشفى الولادة والاطفال بالدمام وبعدها بمستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض. ظل يعمل في وظيفته هذه حتى العام 2005.

بنهاية العام 2005 تقدم لبرنامج البعثات وحصل على بعثة دراسية لدراسة الماجستير في العلوم الصحية. اختار ياسر الجامعة الطبية في أوهايو لدراسة الماجستير. تقدم بعدها باستقالته من وزارة الصحة وغادر إلى الولايات المتحدة.

بعد أن بدأ دراسة الماجستير التحق بمختبر البروفيسور جيمس ويلي صاحب الأبحاث الشهيرة في مجال الخلايا السرطانية. بمرور الوقت، لاحظ البروفيسور أن ياسر يتميز عن أقرانه الطلاب. حتى أن البروفيسور أصبح يعتمد عليه كثيرا رغم أنه طالب ماجستير. ما أن أنهى ياسر برنامج الماجستير حتى أشار عليه باللحاق بالبرفيسور أندريا في جامعة ميتشيقن.

تقدم ياسر بأوراقه الى الملحقية حتى يكمل برنامج الدكتوراه. تمت الموافقة لياسر وانتقل لجامعة ولاية ميتشقن ليكمل الدراسة في علم الجينات الجزيئية مع البروفسور أندريا امالفيتانوا الطبيب والعالم المتميز في أبحاث العلاج الجيني والمناعي.

. استطاع ياسر أن يحافظ على تميزه عن الطلبة الآخرين بانجازاته وبتحمله للكثير من المسؤوليات. كانت أبحاث ياسر في مرحلة الدكتوراه منصبه على الخلايا السرطانية. نشر ياسر العديد من الأوراق العلمية التي وصلت الى 14 ورقة علمية محكمة مع نهاية برنامج الدكتوراه. وهذا بحد ذاته انجاز عظيم، بالعادة لا يتعدى انتاج الطالب في هذه المرحلة أصابع اليد الواحدة.

هنا كان الدكتور ياسر يهيء نفسه للعودة من جديد إلى أرض الوطن، فقد أنهى الدكتوراه وانتهت الرحلة بنجاح. وبينما كان منشغلا في نفسه يغدو يمنة وشمالا، كان البروفيسور امالفيتانوا واقفا على بوابة المختبر وهو يستمتع بالجو الميتشيقاني الماطر. مر ياسر بجنبه فناداه قائلا. دكتور ياسر...

- أعلم أنك تستعد للعودة لبلدك. لكني دعني أقولها لك. وربما هذا أنسب وقت. لقد كنت من أفضل الطلاب الذين مروا علي في حياتي. ولقد خدمت المجموعة بكل جد واجتهاد. ولو صارحتك فسأقول لك، أعتقد أن المختبر سيخسر الكثير من قدرته مع رحيلك. وأنا هنا أعرض عليك أن تعيد المغامرة مرة أخرى معي.

هذه المرة لن أكون مشرفا عليك فقد مرت خمس سنوات وأنت ترجع لي في الكثير من أفكارك. في الحقيقة كنت أستمتع كثيرا حينما تدخل المكتب بفكرة بحثية جديدة. في كثير منها كنت أتعلم منك لا أعلمك. بالاضافة لأفكارك الجميلة، فقد كنت أسعد حين تساعدني في كتابة طلبات التمويل للمؤسسات المختلفة.

كانت آراؤك تجذبني لها. دعنا لا نطيل الحديث.

- عزيزي ياسر، باختصار لدي وظيفة شاغرة بوستدوك - طالب ما بعد الدكتوراه - وأتمنى من كل قلبي أن تقبل بها لمدة سنتين. صدقني سنحقق الكثير معا.

تردد كثيرا ياسر في قرارة نفسه لكن الحاح البروفيسور قد شجعه كثيرا. البرفيسور امالفيتانوا يعد من العلماء القلائل على مستوى العالم وجامعة ولاية ميتشيغن معروفة على مستوى العالم وهي فرصة عظيمة لي.

كانت ليلة عصيبة على الدكتور ياسر. هل أرجع وأعمل في بلدي بين أهلي وناسي؟... هل ستكون الوظيفة مملة اذا رجعت؟... لكني تعبت من الغربة وقد حان الوقت للعودة.

أنا فعلا محتار جدا هذه المرة....!!

في اليوم التالي، عاد الدكتور ياسر للبروفيسور، وقبل أن ينبس ببنت شفه. بادره البروفيسور أليفانتو وقال تعال معي.

- انظر يا دكتور ياسر، هذا المكتب سيكون لك أنت. وستتولى أنت الأشراف على طالبين دكتوراه حتى ينهيان دراستهما. وسيكون عليك المشاركة ببحوث طلبات التمويل كل ما سنحت الفرصة. وستستلم راتبا مجزيا وسأدعمك كل الدعم حتى تبدع في هذه المرحلة. مرت المرحلة بصعوبة على الدكتور ياسر، الكل يعلم أن العائد المادي للبوستدوك قليل جدا.

بعد أن شارف على الانتهاء من فترة البوستدوك، عرضت عليه الجامعة وظيفة استاذ مساعد بجامعة ميتشيغان. انفرجت الحالة المادية للبروفيسور ياسر. حصل على عروض عمل في المملكة لكنه فضل البقاء في الولايات المتحدة. أثناء عمله كاستاذ مساعد، أتم دراسة الماجستير في ادارة الأعمال.

بعدها بفترة بسيطة، استدعاه البروفيسور أليفانتوا.

- عزيزي ياسر، أنا بحاجة لك، هناك الكثير من المسؤوليات الاداريه على عاتقي وأنا أحتاج لشخص مجتهدك حتى أعتمد عليه في الاشراف على طلابي ومختبري. سوف لن أجد من هو أفضل منك. لقد قضينا معا سنوات طويلة من البحث العلمي.

أصبح البروفيسور ياسر يدير مختبره الذي أنشأه بنفسه وكذلك يشرف على طلاب ومختبر البرفيسور أليفانتوا.

بدأ البرفيسور ياسر يترقى في جامعة ميتشيقن وهو الآن رئيس أبحاث الخلايا المناعية بجامعة ولاية ميتشيغن ويعمل تحته 8 باحثين. قضى البروفيسور حتى الآن ما يقارب 15 عاما في الولايات المتحدة وله ولد وبنت. وقد وصلت أوراقه العلمية إلى 32 ورقة منشورة.

في كثير من الأحيان، يفاجيء البروفيسور الباحثين والطلاب في مختبره بطبخة تحت القدر السنابسية عندما تحقق المجموعة انجازا ما. ولله الحمد حتى الآن لم يرضخ للضغوط ويكشف عن أسرار هذه الطبخة.