آخر تحديث: 18 / 8 / 2019م - 11:54 م  بتوقيت مكة المكرمة

الموسيقى رمز للسلام وليس للانتهاك

محمد الحرز صحيفة اليوم

ما الذي يجعل من عازفة تحمل على كتفها آلة الكمان وتعزف نشيد السلام الوطني العراقي في وسط ملعب وأمام جمهور في افتتاح دورة رياضية، تهدد مكانا وتنتهكه؟!

وما الذي يجعل أيضا من فرقة الروك الموسيقية الشبابية اللبنانية التي تثار ضدها الاعتراضات على أنها تستخف بالقيم بالخصوص من خلال كلماتها ومواضيعها؟!

الموضوع جد حساس حين يتم تناوله؛ لأن مجرد التطرق إليه يجعلك وكأنك تمشي على الحافة، دائما معرض للسقوط في سوء التأويل من وجهة نظر المتلقي مرة، ومرات أخرى معرض إلى سوء الطوية والنية المبيتة على الاعتراض لمجرد الاعتراض فقط.

الخشية من الانزلاق في الجدل العقيم الذي يتصل بمثل هذه المواضيع هو ما يجعلني حذرا جدا في الاقتراب من نقد هذه الظواهر في مجتمعاتنا،

الموسيقى بوصفها موسيقى لا تمثل تهديدا ينتهك مكانا مقارنة بالقتل أو السرقة أو الفساد في المكان ذاته، بل العكس هو الصحيح، الموسيقى تمثل السلام في دلالتها ورمزيتها الكبرى في عصرنا الحالي. الموسيقى دائما هي جزء من أي موروث في العالم، ومهما اختلفت الطرق المعبرة عنه، تبقى ضمن دائرة الحياة بسبب ارتباطها بالفلكلور الشعبي الذي يحتوي على إيقاعات متنوعة من موسيقى الشعوب. لذلك ونحن نتساءل هنا: ما الذي يجعل البعض، وأنا هنا لا أعمم على الإطلاق، يقيمون الدنيا ولا يقعدونها بمجرد ظهور عازفة في ملعب؟! أليس من الأولى على هؤلاء أن ينتفضوا ضد الفساد المستشري في شرايين المكان؟ ألم يتعلموا في أدبياتهم أن مكانة الأرض من مكانة الإنسان وكرامته ورفع الظلم والفقر عنه؟

وما يزيد الأمر تعجبا هو لو أنك أجلت بنظرك على جميع المدن في العالم فستجد أن الموسيقى هي جزء من تاريخها وموروثها، ولم يحدث رغم ذلك اعتراضات وأقاويل ترى إلى الموسيقى أنها سقط في الرذيلة.

من رفعوا عقيرتهم بمثل هذه الاعتراضات يدركون تماما في لا وعي ضمائرهم هذه الحقيقة. لكن الخوف كل الخوف من فقدان المكانة التي وصلوا إليها بفضل اتخاذهم الدين كشعار. هناك في الجانب الآخر معترضون لكنهم متدينون حقيقيون يخشون على إيمانهم من مثل هذا الانتهاك كما يروج له. وخشيتهم من فقدان هذا الإيمان كخشية المتسلقين على فقدان مصالحهم، وبين هذه الخشية وتلك تضيع الحقيقة أو تضيع بمعنى أصح في أتون الصراعات.

مبدئيا ما يصح على حدث الملعب يصح على عمل فرقة الروك في لبنان. لكن بملاحظة فروقات عديدة منها أن الموسيقى عند هؤلاء «وهي مزيج من آلات موسيقية غربية وشرقية» وسيلة تعبير رمزي لما وصل إليه الحال في لبنان سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، وبعدها الرمزي يمثل تحديا صارخا لتدني مستوى التعبير في لبنان بسبب تناولها في أغانيها ما هو من المحظورات التي لا ترقى في تناولها إلى المؤسسات الرسمية.

لكن كون هذه الفرقة وجدت انتشارا كبيرا خصوصا في أوروبا والاحتفاء بها أيضا في بعض الدول العربية، جعل بعض الجهات ترفع الشعارات الجاهزة من قبيل: اختراق أمني ومؤامرة كبرى على كل ما يمثل موروثنا وقيمنا التاريخية. يا له من شعار صالح لكل زمان ومكان!!