آخر تحديث: 18 / 8 / 2019م - 11:54 م  بتوقيت مكة المكرمة

تواضع تكن كالنجم

ياسين آل خليل

في عالم تحولت فيه الأخلاق الى سلعة شحيحة، انقلب الكثير من الناس إلى ما يشبه الوحوش في صورة بشر، بدءًا من ابتزازهم للآخر وتَقزيمهم له، ولا انتهاءًا بالتعالي عليه في تصرف لا يقوم به إلا من عزل نفسه عن العالم وبات يعيش وحدته بعيدا عن كل ما يمت إلى الإنسانية أو يقترب منها. قد يعتقد هذا الشخص، وبما يحمله من ذات مريضة، وبأسلوبه البدائي الغير لائق أن بإمكانه إنجاز عمل باهر يكون فيه راضيًا عن نفسه. لكن إذا ما آمن هذا الإنسان أن النية محلها القلب، ألا ينبغي لذلك القلب أن يكون سليما معافى من أمراض الحسد والضغينة وغيرها؟

لسوء الحال تحولت هذه التصرفات الى مبادئ سلوكية يتداولها البعض للتغطية على الكثير من العوائق التي تحيط بهم، فلم يجدوا طريقا للتعبير عنها، إلا من خلال تصرفات هوجاء لا تمت إلى من يبحث عن الوصول إلى الدرجات الاجتماعية الرفيعة بشيئ، ولا تليق إلا بأناس أغوَتهم دنياهم فباتوا يعيشون في تيه الدرهم والدينار.

جميعنا لدينا عيوب في أنفسنا كما في حياتنا، الفرق هو عندما نكون متواضعين، فإننا لا نخجل من عيوبنا أو نخفيها عن أنفسنا والآخرين. قبولنا لتلك العيوب يعطينا فرصة العمل عليها والتعلم منها. معرفتنا بنقاط الضعف والقوة لدينا، يجعلنا نسلك الطريق الأصوب، الذي يوصلنا الى بناء سلوك بشري هو أقرب إلى الفضيلة منه الى الرذيلة والفجور. ينبغي لنا كبشر دائمًا، أن ننظر إلى التواضع ليس كقوة مفروضة، بل كعمل من أعمال المحبة والفضيلة.

عندما ينسب بعض الأفراد نجاحاتهم الى أنفسهم، وهم يعلمون في دواخلهم أن تلك النجاحات لم تكن لتتحقق لولا جهود الكثير ممن بذلوا طاقاتهم العقلية والبدنية، وأفنَوا الكثير من وقتهم يُنجزون أعمالا كبيرة كان لها دور فاعل في إيصال هؤلاء المستعلين الى ما وصلوا إليه. هؤلاء الفئة من العتاوية الذين يتعمّدون أن يغمضوا أعينهم عن الغير، هم يفعلون ذلك من تلقاء تلك العقلية التي لا ترى إلا نفسها، فتنسب كل إنجاز لها زهوًا وتكبرًا، وافتقارًا الى أدنى مبادئ التواضع المتعارف عليها بين أفراد المجتمع الواحد.

من صفات الأفراد المتواضعين أنهم يرون نجاحاتهم بأنها نتيجة طبيعية لمشاركات الكثير من الناس، وأنها أبعد من أن تكون نتيجة لأعمالهم منفردين. ما أن تكتشف سر التواضع حتى تبدأ بمعرفة قدر نفسك وقدر الآخرين الذين تتعامل معهم. هذا من شأنه أن يضع الفرد في موقع الإقرار، بأنه لا غنى له عن الآخر، وأنه في الكثير من الأحيان يحتاج إلى غيره من الناس لدعمه ومساعدته في تأدية أعماله.

التواضع رحلةٌ استكشافية داخلية، يتعرف من خلالها الإنسان على نفسه. في هذه الرحلة يتوقف فيها الفرد عند الكثير من المحطات، ليتعلم منها كيف يكون إنسانا نظيفًا، قد خلع رداء الكبر والاستعلاء والعُجب بالنفس والتبختر بما وصل إليه، وقد حل مكانه لباس المودة والمحبة ولين المعشر مع الآخر. رحلة التواضع تخيّر الإنسان بين أن يكون نجمًا يتلألأ في السماء، أو حَجَرا رخيصا لا تكاد قيمته تغري الباحثين عن كل ما هو كريم وإن كان حجرا. «وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ».

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
صالح الشايع
[ الاحساء -الطرف ]: 12 / 8 / 2019م - 12:23 م
لعل مابين قول قارون (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى? عِلْمٍ عِنْدِي )وقول آخر في آية أخرى(وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) نقطة فاصلة بين التواضع والغرور بين الأخلاق الحميدة
والأخلاق المريضة .متى ما استطاع الإنسان الولوج الى هذه القدرة في التحكم بهذه النقطة الفاصلة أمن شرور الاخلاق المريضة.