آخر تحديث: 19 / 9 / 2019م - 8:41 م  بتوقيت مكة المكرمة

جماعة «ولكن!»

سراج علي أبو السعود * صحيفة الرأي السعودي

هناك شريحة من شرائح الجنس الإنساني ابتكرتُ لها شخصيًا لقبًا أجده يناسبها إلى حدٍ كبير وهو لقب «جماعة.. ولكن!»، هذه الشريحة تمتلك عين بصيرة جدًا وحاذقة بحيث تُعاجل أي مُتحدث تُسوِّل له نفسه الثناء على شخص أو فكرة أو أي شيء بكلمة «ولكن!» ثم تعقبها بنقطة سلبية، حينما تقول مثلا: فلان شخص مبدع في الرياضيات، فيرد عليك ولكنه متواضع في النحو!، فلان طبيب حاذق، فيقول: ولكنه كثير الصمت، فلانة تلبس ثوبًا جميلًا، فترد: ولكن الأكمام واسعة قليلًا.

هذه الشريحة في الغالب وإذا ما عُرض عليها المشورة في تفضيل خيار على آخر فإنها تتعثر جدًا في الإجابة، السبب هو أنها لا تجيد إلا ذكر العيوب، أما السيل الكبير من الإيجابيات فإنها لا تبصره.

ورد في الأثر أن نبي الله عيسى كان يسير مع الحواريين فأبصر خنزيرًا نافقًا، هذا المنظر البشع جعل الحواريين يتأففون، فمنهم من يصف ريحه النتن، ومنهم من يصف سواد لونه الذي غيرته الشمس، هكذا بعد سيل من ذكر كل ما هو بشع في هذا المنظر، قال لهم عيسى: انظروا بياض أسنانه التي لم يغيرها شيء، كان بذلك يريد أن يقول: إن الجمال موجود في كل شيء، وأن عليكم أن تبحثوا عنه دائمًا لتقدموا الثناء عليه، هذه هي القاعدة الأخلاقية، أن يُبصر الإنسان الجمال في الأشياء فيثني عليها بما تستحق، أما الذي يجري في الغالب فهو العكس.

ملخص القول: كن حاذقًا بصيرًا، ولكن كن إيجابيًا تمنح الآخرين التشجيع والدعم، كن ناقدًا لاذعًا ولكن امنح غيرك ما يسعفه للنجاح عوض السيل الهائل من ذكر كل ما هو معيب ومحبط، المجتمعات الإيجابية تعتبر حتى الفاشلين أبطالًا تمنحهم منابر لكي يتحدثوا فيها عن أسباب فشلهم والطرق التي يمكن بتلافيها تحقيق النجاح، أما المجتمعات السلبية فتكاد تكون منشغلة دائمًا بالجزء الفارغ من الكأس، لتكرر دائمًا على مسامع المتعثرين ما يرسخ فيهم بأنهم فاشلون، ولن تسعفهم أذهانهم ولا مستوياتهم الفكرية ليكونوا أفضل مما هم عليه.

مثلما يعتبر القانون الجنائي القاتل والسارق مجرمين يستحقون العقاب، أجد شخصيًا أن الناقد السلبي والشرس المتفاني في إعابة الآخرين مثلهم تمامًا، فمثلما قتل المجرم نفسًا بريئة وسرق السارق شيئًا ليس له فإن الناقد السلبي والعدائي ساهم بسوء كياسته وضعف نظره في وأد موهبة كان يمكن أن تكون في أعلى المراتب لولا نقده السلبي وتحبيطه لها، وسرق منه طاقة عظيمة في داخله كان يمكن لها أن تدفعه للإبداع لو تم تشجيعه وتوجيهه عوض السخرية منه، وإلى أن نرى المزيد من المواهب المبدعة والطاقات الواعدة في مجتمعاتنا، ستبقى جماعة «ولكن» الخطر الأكبر على هؤلاء والصوت النشاز الذي ينبغي دائمًا أن يُلجم ويُلزم الصمت.