آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 2:32 م

عام جديـد بلا عنـف..!

سكينة المشيخص * صحيفة اليوم

أصبحنا بصورةٍ أو بأخرى معتادين على مطالعة أخبار الجريمة وانهيار السلوكيات الأخلاقية عبر وسائل الإعلام بشتى أنواعها، فمنذ أسبوع اطلعت على خبر قيام شاب أمريكي مسلّح بإطلاق النار في مدرسة ابتدائية في «نيوتاون» بولاية كونتيكيت الأمريكية مما أسفر عن سقوط 27 قتيلًا بينهم 18 طفلًا، ومهما تكن الدوافع التي تقف خلف هذه الجريمة يظل المبرر غير مقنع لتفريغ الفرد للشحنات النفسية عن طريق القتل.

القتل جريمة تنطوي على تفكير عنيف تجاه الضحية، وأغلب حالات العنف تتمّ نتيجة عدم القدرة على السيطرة والتأثير على النفس والبعض منها نتيجة للثأر والانتقام، وذلك كله يعود للمرجعية الثقافية للفرد بالإضافة الى أن تزايد مثل هذه الحوادث يعود بشكلٍ كبير للظروف الصعبة التي يمرّ بها العالم من عدة نواحٍ اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر، حيث سادت موجة من العنف لم تكن موجودة بشكلها الحالي قبل هذه الحادثة.

ويتداخل الموقف النفسي للشخص في حالات العنف والجريمة مع الموقف الفكري والسياسي والطبقة الاجتماعية والمستوى النفسي وحتى المعتقد الديني والطائفي، والعنف ـ بحسب الخبراء السلوكيين ـ صورة من صور القصور الذهني حيال موقف، ودليل من أدلة النفس غير المطمئنة، وصورة للخوف من الطرف الآخر مهما تعددت أشكال ذلك الخوف، وانعكاس للقلق وعدم الصبر والتوازن، ووجه من وجوه ضيق الصدر وقلة الحيلة، كما أنه يُعدّ مؤشرًا لضعف الشخصية ونقصانًا في رباطة الجأش وتوازن السلوك، وأيا ما تكون العلة الفسيولوجية أو البيئية فالعنف مرفوض حضاريًّا وأخلاقيًّا وسلوكيًّا واجتماعيًّا. وفي تقديري أن الإعلام يلعب دورًا كبيرًا في نشر العنف وتغذية المجتمع بأخبار الجرائم بصورةٍ تخريبية للنشء، حيث يسهل عرض مثل هذه الأخبار التي تؤدي الى استبساط الفكر الإجرامي من باب المجاراة، فلغة الجريمة واضحة حتى في السلوك اليومي من خلال الأحاديث الفردية، حيث أصبحت كلمة قتل تتداول بشكل عادي على سبيل المزح وهذا معناه أن جذور العنف بدأت تتأصل فينا بشكل حاد ودون أن نعي خطورتها.

عربيًّا أسهمت الثورات منذ عام 2011 الى الآن في إشاعة جوّ من الارتباك النفسي غير الآمن مما أسهم في وجود كثير من الجرائم في الدول التي لم تطرقها الثورات، وفي مواقع التواصل الاجتماعية تجد «هشتاقات» كثيرة تقوم على أساس الإسهامات في عمليات العتق لمحكومين في قضايا القصاص، هذا عدا نمو ظواهر التعدّي وقتل الأطفال والنساء والعمليات الإرهابية المتزايدة، وهنا أتساءل ونحن على أعتاب 2013، كيف يمكن أن نطرق بوابة العام الجديد بسلام؟ وهل هناك فرص محتملة لانخفاض معدل الجريمة في العام المقبل؟ الجهود الدولية للمنظمات العالمية قوية جدًا في هذا المضمار لكنها بصدق أصبحت غير كافية، وحتى الجهود الفردية للناشطين الحقوقيين في المجال الإنساني لا يمكن تجاهلها لكن المشكلة تتفاقم، خاصة مع إصرار وسائل الإعلام على عدم فلترة محتوى الحالات التي تعرضها كسبق مهم وهي الجرائم من أجل جذب المتابعين «فجرائم قوم عند قوم فوائد» وهذا للأسف ما يحصل، ولكن يظل هناك بصيص من الأمل يجتاحنا بالتغيير وانخفاض معدل الجريمة في السنة المقبلة، وارتفاع السقف الحقوقي على كافة الأصعدة بتعاون مجتمعي وإعلامي، وأن تنعم المجتمعات الإنسانية ولو بجزء يسير أفضل من الأمن النفسي، فلنتجه الى عام جديد مقبل بلا دماء.