آخر تحديث: 19 / 9 / 2019م - 8:37 م  بتوقيت مكة المكرمة

اجعلني على خزائن الأرض

قصة أسرة هندية جاءت من وسط الهند الفقير الى مدينة مومباي «اسمها بومباي سابقا» بحثا عن لقمة العيش. لم يكن بامكانها السكن في مومباي نظرا لأسعارها الباهضة، فوجدت في ضواحي المدينة التي تبعد خمسين كيلومتيرا عن وسطها، حيا كبيرا من بيوت الصفيح يسكنه أمثالهم من الفقراء والمساكين. يمر وسط هذا الحي قناة مفتوحة لتصريف مجاري المدينة، تنبعث منها روائح كريهة ويعشعش فيها البعوض والحشرات. يحيط بالمنطقة تلال مرتفعة تبدو كأنها رملية وما ان تمعن النظر فيها حتى تكتشف أنها تلال قمامة تم تغطيتها بقليل من الرمل. اما البيوت فقد بنيت من الصفيح بطريقة عشوائية، تتخللها طرق ضيقة لايتعدى عرضها مترين او ثلاثة أمتار. يوجد في الحي مدرسة بناها فاعل خير تزدحم بالطلاب والطالبات على فترتين صباحية ومسائية، وعيادة خيرية لاتتعدى مساحتها ثلاثين مترا مربعا توجد فيها عيادة الطب العام في الدور الأرضي بينما توجد عيادة الأسنان في الدور الأول.

بنى الأب والأم بيت صفيح لهم ضمن هذا الحي في مساحة اجمالية قدرها عشرون مترا مربعا، يفتح باب الشارع على غرفة هي كل البيت ماعدا دورة مياه بدائية ومكان صغير للطبخ في آخرها. وفيها سلم حديدي يصعد الى مكان صغير في الأعلى ينام فيه الأب والأم.

بعد فترة وجد الأب وظيفة كعامل بناء، أما الأم فقد وجدت فرصة عمل كممرضة في العيادة الخيرية بأجر زهيد. وهكذا عاشت الأسرة في هذا الحي ورزقوا ثلاثة أولاد درسوا في مدرسة الحي الخيرية مع أبناء جلدتهم. لم ينج الأطفال من مرض الملاريا وغيره لولا ان الأم أستفادت من خبرتها ومن عيادة الحي لعلاجهم.

ترعرع الأبناء حتى بلغوا سن الرشد فهم الآن في المرحلة الثانوية، وكانت رسالة الأب والأم أن يبلغ الأولاد منيتهم ويحققوا طموحهم بأي ثمن كان. وذات يوم جلست الأسرة في تلك الغرفة الصغيرة من الصفيح على وجبة صغيرة من الرز، ترفرف عليهم أجنحة الرضا والقناعة، ولكن قلوبهم تحلق فوق السحاب.

سأل الأب أبناءه عن طموحهم في الحياة وقال ماذا تريدون ان تحققواخلال العشر سنوات القادمة؟ نظرالأبن الأكبر في عيون والده ووالدته وهو يقرأ حياة نضال وتعب أمتدت لخمسين عام، ثم نظر في عيون أخويه الشابحين نحوه وكأنهم ينتظرون أن يفتح لهم أبواب الدنيا المحكمة الأغلاق. بعد تفكر بسيط قال الأبن الأكبر: أريد أن أكون طبيبا ماهرا، وأن أحصل على جائزة نوبل خلال العشر سنوات القادمة. ألتفت الأب الى ابنه الأوسط وقال وأنت ياعزيزي؟ نظر الأبن الى الجميع وكأنه يقول لن أكون أقل طموحا، وقال: سأكون رئيس أكبر شركة عالمية في تقنية المعلومات. نظر الأب الى الأبن الأصغر وكان ينتظر بفارغ الصبر أن يكسر حاجز الصمت، فقال وهو ينظر الى أخويه: سأكون مديرا لأكبر محفظة مالية في أسواق لندن للإستثمار. تنفس الأب والأم الصعداء وكأن جبل قبيس قد أزيح عن قلبيهما، وقالا بصوت واحد: لاتلتفتوا الى الوراء أبدا، حلقوا فوق السحاب فلن نرضى بأقل من طموحكم. نعم، ستحققون ماذكرتم بل وأكثر من ذلك.

حين تقرأ هذه السطور قد تظن أن كاتبها يستغرق في أحلامه الوردية، ولكن أنظر الى قائمة الهنود الذين ولدوا فقراء ثم حصلوا بإستحقاق على جوائز نوبل وآخرون أصبحوا رؤساء شركات كقوقل ومايكروسوفت وغيرهم، او مدراء لصناديق مالية عالمية. أمّا كيف حقّق هؤلاء الهنود طموحهم فتلك قصص معاناة وكدح متواصل وعمل جاد وسبح طويل يستطيع كل منا أن يقرأه في تاريخهم.

ولنا في قصة نبي الله يوسف القرآنية عبرة، فتلك حقيقة لاشك فيها. فتى قضي خلف قضبان السجن سنينا طويلة ولكنها لم تفت في عزمه وطموحه بل قال لعزيز مصر: «اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم»، لم يقل اجعلني موظفا، بل قال: إني حفيظ «أشد درجات الأمانة»، عليم «أعلى درجات الكفاءة»، وأستحق أن اكون وزيرك الأول والمسؤول عن الأقتصاد والموارد الطبيعية في مصر. أصبح يوسف بعد السجن وزيرا، فأنجز ما وعد ونشر العدل وعمّ الرفاه رغم الجفاف وقلة الموارد.

سنة التاريخ ياأبناءنا وبناتنا هي أن: الطموح حبر لاينفد والأرادرة قلم لاينكسر فلنمسك بقلم الأرادة ولنسطر بحبر الطموح انجازنا في كتاب لحياة.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
Seqrat Alkhalifah
[ [email protected] ]: 5 / 9 / 2019م - 1:38 م
ماشاء الله قصه طموح عظيمه دكتور بومحمد و اتمنى لك دوام التوفيق والنجاح فالقصه مثمره جدا وفيها كفاح لكل من يقوم به من الصفر فلابد من ان اخر فلاح!
2
عدنان الشامسي
[ سيهات ]: 5 / 9 / 2019م - 11:25 م
يعطيك ألف عافية بومحمد موضوع شيق يجعل الشخص يؤمن بتحقيق رغبته أو بما يجب أن يكون في مكانته في عمله.

فقط عليه أن ينظر لمستقبله لا ينظر لخلفه أو للوراء