آخر تحديث: 22 / 1 / 2020م - 12:59 ص  بتوقيت مكة المكرمة

أيها المغتر ابك آثامك

ورد عن الإمام الجواد : «تأخير التوبة اغترار، وطول التسويف حسرة» «بحار الأنوار: ج 6 ص 30».

العبد يطلب النجاة والسلامة والفوز بالتعلق برحمة الله تعالى الواسعة ومغفرته من جهة، مع خوف من العقاب الإلهي للعبد الذي يبقى مصرا على معصيته دونما أن تحدثه نفسه بالتوبة، وتأخيره التوبة سببها الغفلة عن الآثار المترتبة للغي وطغيان النفس، وكذلك الاغترار بالله تعالى وتوهم أن بقاءه مدنسا بالآثام سيكون حينئذ متجنبا النقمة الإلهية في الدارين.

وأي تكبر واغترار ووهم للعظمة والقوة وأماني كاذبة وآمال متطاولة يحياها ذاك الإنسان العاكف على معاصيه دونما أن تحدثه نفسه بالتوقف عن غيه وجرأته على حرم الله عز وجل بلا حياء أو خوف من عقوبته تعالى؟!

هناك حقائق ثابتة في حياتنا لا تخفيها غفلتنا وفتنتنا بمتاع الدنيا الزائل، فالحياة ليست بالمستقر النهائي الذي لا أمد ولا نهاية له، بل هو أجل مسمى كرحلة عابر سبيل تنقضي يوما بلا سابق إنذار ولا أذان بالرحيل، وعليه فنظرتنا لجميع أبعاد حياتنا لا ينبغي أن تتجاوز هذه الحقيقة المهمة، ومن ثم علينا أن نرتب على أثر ذلك خطانا وأهدافنا وكأن قبضة المنية والرحيل سيداهمنا في أي لحظة.

وارتكاب الذنب له حقيقة علينا التفكر فيها دون أن نمر عليها مرور الكرام، متناسين ما سنلقاه في الدار الأخروية من حساب وجزاء وعقوبة على تجرأنا على الخطيئة دون ارعواء، فالذنب ناجم عن غفلة عن الجزاء على كل ما نقدمه، وغلبة للشهوات واستحكامها في مسير الإنسان ملغيا لعقله الواعي، والذي كان سيرفده بنتائج ما فعله من سيئات فلعل ضميره يستيقظ وتنتفض نفسه من غفلتها ويعي إلى أين ستوصله الآثام، ولكنه ركن إلى النزوات دونما ارعواء أو حياء من رؤية المولى الجليل له في سره وعلانيته، وكفى بالذنب خسارة وحسرة أن يكشف عنا ستر الله تعالى علينا فيكشف سوأة نفوسنا المتولعة بالموبقات دون أن تتدثر بالمسحة الإيمانية، وكفى به هادما لمروءة الإنسان وكرامته بعد أن غلت يداه وبقية جوارحه بسلاسل الشهوات.

ولكن باب التوبة النصوح والرجوع عن سواقط النفس الحرة والكريمة هل يقطع السبيل له، أم أن أبواب الندم مفتوحة على مصراعيها تنتظر منه لحظة يقظة وأنين من ذنوبه؟

بلاشك أن الذنوب مهما تكاثرت وامتدت بالمرء السنين على مقارفتها فإنه الله تعالى يحب منه الندم والتوبة وطلب الطهارة النفسية، فيسارع إلى البكاء على نفسه خشية من حلول الآثار الدنيوية على المصرين على المعاصي، كحرمانه من فعل الصالحات وسلبه التوفيق من العبادات الواعية الخاشعة، وذلك أن فكره ووجدانه ينشغل بصور الحرام والمنكرات فيفقد العزم والرغبة على الإقبال على الله تعالى.

التوبة أبوابها مفتوحة بوجه العاصين ليعودوا عن غيهم، تلك التوبة التي يبدي فيها ندما وحسرة على ما اقترف من آثام، ويعقد العزم على تركها مستقبلا متجنبا مسبباتها وكل سبيل يؤدي إليها، فلا يطهر دنس النفس بالشهوات والتعرض لمواطن السخط الإلهي إلا تلك التوبة الصادقة، وما يدل عليها حالة الاستقامة والتغير الإيجابي بعد ذلك، دونما تأخير يجعل الذنوب متغلغلة في نفسه فيصعب عليه تركها، وقبل أن تداهمه المنية من حيث لا يدري فإن الأعمار لا يعرف الإنسان متى تكون نهايتها، ولذا عليه المبادرة للطهارة النفسية والتخلص من آثار المعصية.