آخر تحديث: 12 / 12 / 2019م - 1:02 ص  بتوقيت مكة المكرمة

عودة إلى ماكس فيبر

الدكتور توفيق السيف * صحيفة الشرق الأوسط

يرجعُ الفضلُ إلى كتاب «الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية» في لفت أنظار الباحثين إلى أهمية الجانب الوصفي - التفسيري في علم الاجتماع. وأظنُّه أيضاً السبب الرئيس في الشهرة العظيمة التي حظي بها مؤلفه ماكس فيبر كصاحب نظريات أصيلة في الحراك الاجتماعي الواسع النطاق.

ويقول فيبر إنه كان يحاول التعرف على الأسباب التي جعلت الرأسمالية طريقاً وحيداً للنهوض الاقتصادي في أوروبا. فقاده هذا إلى سؤال آخر يتناول العوامل التي تجعل الرأسمالية ممكنة في مجتمع، وممتنعة في مجتمع آخر.

في الخلاصة، وجد الرجل أن الدين عامل حيوي، في صياغة وعي الإنسان بالعالم المحيط، ودوره في هذا العالم، وبالتالي أهدافه وأولوياته، العوامل التي تشحذ طموحاته، أو تثير قلقه، وتلك التي تثبط عزمه أو تمنحه الاطمئنان. وفيما يخص النشاط الاقتصادي، رأى أن البروتستانتية هي الدين الوحيد الذي يحفز الفاعلية الاقتصادية للبشر، من خلال ربطها العميق بين النجاح الدنيوي «في معناه المادي الصرف» وبين الخلاص الأخروي. يعتقد البروتستانت، لا سيما في المنهج الذي أطلقه القسيس الإصلاحي جون كالفن، أن التقرب إلى الله ليس مشروطاً بالطقوس المعتادة في الكنيسة. يمكن للإنسان أن يتقرب إلى ربه، حين يؤدي واجباته اليومية على الوجه الأكمل.

الفلاح وعامل المصنع والحرفي، وكل صاحب مهنة، يمارس العبادة «بالمعنى الحرفي وليس المجازي» حين يقوم بعمله. وفي هذه الحالة فإنه لا حاجة للذهاب إلى الكنيسة يوم الأحد أو أي يوم آخر. كنيسة المسيح توجد - وفقاً لرأي كالفن - حيث يوجد أتباع المسيح ومحبوه.

احتمل أن الفارق الجوهري بين أبحاث فيبر وسابقيه، يكمن في اهتمامه المكثف بقراءة الوقائع ومحاولة تفسيرها ضمن سياق ميكانيكي، وإيضاح الدور الذي يلعبه كل عامل، رئيسي أو جانبي، في تكوين الواقعة، وتحديد الوظائف التي تولد من حولها. ومع أن هذه الأبحاث لا تخلو من تعبير عن ميل شخصي أو موقف آيديولوجي، إلا أن غلبة الجانب التفسيري، ونجاحه في تقديم إطار نظري معقول لكل موضع من مواضع البحث، غطى على نقطة الضعف تلك.

إن السبب الذي يدفعني لتذكير القراء بأعمال فيبر، هو رغبتي في أن نفكر معاً، في السؤال نفسه الذي حاول الرجل مجادلته، أعني سؤال: متى يمكن للدين أن يحفز النشاط الاقتصادي، ومتى يثبطه.

إني لا أجد تفسير فيبر مقنعاً، إلا في حدود النمط الصافي، أي حين يكون الدين مؤثراً وحيداً في تكوين ذهنية الإنسان، مع انعدام أي مؤثر آخر مساعد أو منافس.

لكنا نعلم أن هذا شرط غير واقعي. لأن الظاهرة الاجتماعية مركبة بطبيعتها، وهي تشكل محصلة لتزاحم وتفاعل العديد من العوامل، التي يترك كل منها أثراً في تكوين الظاهرة، وتحديد حجمها ونطاق تأثيرها. هذه العوامل، إضافة إلى عوامل تدخل لاحقاً، تحدد أيضاً اتجاهات الظاهرة وأقدارها «أي الشروط التي تسمح باستمرارها أو نهايتها».

أعلم أن التفكير والنقاش في السؤال المذكور سيتأثر - شئنا أم أبينا - بالميول التبجيلية أو الاعتذارية، التي تشكل نوعاً من موقف مسبق، تجاه أي نقاش يتعلق بالهوية أو الإيمان. لكني أودُّ تحذير القارئ من أن هذه الميول مخربة للتفكير، وهي لا تساعد أبداً في التوصل إلى أي فكرة جديدة. الهوية الدينية ليست في خطر، كما أن التفكير في الدين لا يؤدي إلى إضعافه في النفوس.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.