آخر تحديث: 12 / 8 / 2020م - 4:19 م  بتوقيت مكة المكرمة

الكلمة تبني وتهدم

ورد عن الإمام العسكري : ﴿قلب الأحمق في فمه، وفم الحكيم في قلبه «بحار الأنوار ج 75 ص 210».

يشير الإمام العسكري إلى مبدأ تحمل مسئولية الكلمة من عدمها كمشخص وعلامة على الشخصية، فتدل على حكيم يزن كلماته كما يتعامل مع تصرفاته ويضعها في سكة التأمل لا التهور، أو تدل تلك الكلمة المتسرعة والمتهورة التي تعقبها الخسارة على فقدان هذا الإنسان لأمان اجتماعي يحفظ علاقاته من الاضطراب، فالكلمة مرسال للآخر فليهيء المرء رسالته التي يتكهن ويخمن ويطل من خلالها الغير على مبتنيات شخصيتك.

ولذا نرى من يطلق العنان للسانه كالفرس الجامح تضرب يمنة ويسارا يسوقه نحو السقوط من أعين الناس ولا يقيمون له وزنا، مستخفين بما يصدر منه من كلام ولا يعيرون له أي أهمية، وأما العاقل فيضع لجام الحكمة والتأمل والنظر في نتائج ما يتفوه به، لعلمه بأن الكلمة الطيبة كما أنها ترسم معالم المكانة الاجتماعية وتكسبه ثقة واحترام من حوله، فكذلك الكلمة المسيئة أو الجارحة أو الخاوية من مضمون ذي فائدة تضيف له في كل يوم خسارة بعد أخرى.

ومن أهم الدروس الأخلاقية والتربوية معرفة أهمية ووزن الكلمة، فالعاقل الحكيم يتدبر وينظر في أثر حديثه ويتجه به نحو الجدية وبناء العلاقات المتزنة، ويحذر من لحظات الانفعال الشديد أو تعكر المزاج فيلجأ للصمت أو ممارسة تروح عنه حتى تهدأ نفسه، فاللسان ليس بآلة عبثية ترمي بالكلمات في أي جهة كانت وبدون مسئولية، فكم من كلمة انفعالية كانت السبب في توتير علاقاتنا الزوجية أو الاجتماعية، ثم نلوذ بعدها بالندم الشديد بعد انكشاف نتائجها السيئة، فجرح مشاعر الآخرين بسبب الحمق وضعف التفكير في أثرها المؤلم جناية كبرى.

ولعل البعض يعيش وهم قوة الشخصية من خلال حضوره بالكلام مهما كانت نوعيته، ويرى في محيطه الاجتماعي تلك النظرة لمن يلوذ بالصمت دلالة على جهله أو قلة معارفه ومعلوماته الثقافية، بل ويعتبرون المتحدث شخصية تتصف بالثقة بالنفس فلا يصاب بالارتباك أو التردد في الحديث.

وهذه النظرة الممزوجة بمغالطات ليس بخاطئة في تأصيلها، ولكن ما يدل على قوة الشخصية واللباقة والانطلاقة الإجتماعية هو الكلام الموزون وذو الفائدة لما يحمله من أفكار أو معلومات لا مطلق الحديث، كما أن العاقل الحكيم يجيد فن الإستماع فيجد في هذا التلاقي فرصة لاستماع الآراء الأخرى دون أي مقاطعة، إذ الحكمة تتولد من القراءة واستماع الآخرين، فضلا عما يدل على ألقه الأخلاقي بإحترام الآخر بإفساح المجال لهم بالحديث واستحقاقه للإنصات بشكل جيد.

والخلاصة من هذه الحكمة هي التأكيد على وضع مجهر عقلي «المعبر عنه بالقلب في الرواية» تمر من خلاله الكلمات والتصورات لنتائجها قبل التفوه بها، فانتقاء الكلمات المناسبة وترك غير الملائم منها من دلالات الحكمة ورجاحة العقل، تجنبا لعطب الكلام أو الثرثرة فيما لا قيمة له، فإن الحمق في أحد جوانبه إلقاء الكلمات على عواهنها بدون تدبر وتأمل في أثرها.