آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

والدي وأرامكو

زكي أبو السعود *

كان المرحوم والدي بسبب محدودية تعليمه وعدم إلمامه بمحتوى كل ورقة تمر عليه، يحتفظ بمعظم الأوراق التي كانت في وقتها تعني له شيئاً وذا قيمة كفواتير لأجهزة منزلية، نسخ من ايصالات قبض، أو سندات دين بمبالغ لم يتمكن كاتبوها الوفاء بها في مواعيدها، وشيكات لصالحه لم يصرفها آنذاك لسبب ما، وبطاقات عناوين لفنادق صغيرة أو شقق مفروشة في المدن المقدسة والتي كان يزورها بأستمرار برفقة الوالدة «حفظها الله» ابان كان نشيطاً لم يقعده المرض أسيراً في المنزل ، وبين هذه الاوراق قلة من الصور الفوتغرافية القديمة التي بقيت سليمة دون تلف ، ومن ضمنهم هذه الصورة المرفقة، وهي تجمع المرحوم الوالد - في الوسط - مع المرحوم الحاج رضي الجشي - على اليمين - «والد رجل الاعمال الأخ ميرزا الجشي» والمرحوم السيد حسين العوامي «ابو المهندس علوي». وكلاهما ميرزا وعلوي ابتدأ حياتهما المهنية في شركة ارامكو، ولكن الفرق بين الاثنين ان الأخ ميرزا خط لنفسه مساراً آخر في حياته المهنية ونمى نفسه من صاحب ورشة صيانة مكيفات يعمل فيها خارج اوقات الدوام، الى مؤسس احدى المنشآت البارزة في عمليات التكييف وتجارة الاجهزة المنزلية، بينما ألاخ المهندس علوي استمر في عمله مع ارامكو حتى تقاعده. اما أنا فقد كانت مسيرة حياتي المهنية خارج ارامكو، ولكن هناك من ابناءنا وبناتنا من حالفه الحظ واستطاع الانضمام لارامكو للعمل فيها. واقول من حالفه الحظ لأن قواعد وسياسة التوظيف التي كانت متبعة في ارامكو القرن الماضي تعقدت كثيراً، ولم تعد ابوابها يسيرة الفتح أمام الباحثين عن عمل يأمن لهم دخلا يقيهم العوز والحاجة، ولا مضمار سباق يتبارى فيه الطامحون المثابرون للفوز بجوائزه، فحينها لم تكن هناك قيود وموازين تحد من انضمام السعوديين لفريقها العتيد.

لقد كانت أبواب ارامكو مفتوحة للجميع وبها من الأعمال ما كان يستوعب معظم المتقدمين اليها. ولكن سياسة توزيع وتجزئة الأعمال على شركات اجنبية ومقاولين محليين - جل عمالهم عمالة غير محلية - قلب هذه الموازين، وقلص من فرص العمل أمام السعوديين للالتحاق بشركة يعد توفر الأمن الوظيفي احدى ميزاتها في حقل الموارد البشرية.

ومع كل ذلك وتقلص الفرص المتاحة ، فهناك من بين فريق ارامكو الكبير الحالي عدد من ابناء واحفاد الرعيل الاول الذي أسهم في بناء الارامكو وفي تشييد بنيتها الاساسية وهياكلها التنظيمية وفي كافة عملياتها التشغيلية. وهذا هو الاساس الذي عليه تشكلت تلك الرابطة القوية الجامعة بين الارامكو وبين عشرات الآلاف من السعوديين من مختلف مناطق المملكة وبشكل خاص ابناء المنطقة الشرقية الذين شكلوا الطلائع الاولى للرعيل الأول ممن على أكتافهم وبسواعدهم بُني هذا العملاق الصناعي، فكانوا ولا زالوا جيل بعد جيل ينظرون اليها كصنيعتهم وإنجازهم، يتعاملون معها كربيبتهم التي نمت تحت رعايتهم واهتمامهم ، وفي هذا يكمن سر تعلقهم وانشغالهم بمضارعها ومستقبلها .

اما بخصوص عمر هذه الصورة فمن الأرجح انها تخطت الستين عام. أما اين التقطت؟ فمع الأسف لم يسعفني الحظ أن اسأل والدي قبل رحيله عن المكان الذي التقطت فيه، ولكني اتوقع أنها التقطت في الحي السكني للعمال السعوديين «سعودي كامب» بمدينة الظهران أبان السنوات الاولى «الخمسينيات» لعملهم في شركة الزيت العربية الامريكية - ارامكو الامريكية - حيث كانت تسمى آنذاك، أي قبل أن يكتمل «وفقاً لما أعلن رسمياً سنة 1980» امتلاك الحكومة السعودية لباقي حصص شركات البترول الامريكية الاربعة «الاخوات الاربع» المالكة لشركة ارامكو الأمريكية بموجب اتفاقية المشاركة التي وقعتها الحكومة السعودية مع هذه الشركات سنة 1976.

وقد تمت صفقة الشراء على ثلاث مراحل: - الاولى سنة 1973وفيها تم شراء 25٪؜ من حصص هذه الشركات. وبعد عام اي في سنة 1974، بعد حرب اكتوبر مع اسرائيل ثم شراء 35٪؜ ، لتصبح الحكومة السعودية المالك الأكبر للشركة أما ال 40٪؜ الباقية فقد تم شراءها في سنة 1980 -

لقد جرت المفاوضات بين فريق الحكومة السعودية الذي كان يقوده وزير البترول والثروة المعدنية آنذاك الوزير أحمد زكي يماني وبين الشركات الامريكية في أبواب مغلقة، وحتى بعد الانتهاء من كافة مراحل الاستحواذ لم يفصح عن القيمة الحقيقية التي دُفعت لهذه الشركات .

ويتضح من مسار تنفيذ عملية الاستحواذ أن الخطوط، أو المبادئ الاساسية لاتفاقية الشراء قد تم الاتفاق عليها قبل الاعلان الرسمي عن الانتهاء من توقيع ”اتفاقية المشاركة“ ، حيث أن أول عملية شراء تمت قبل ثلاث سنوات من تاريخ الاعلان عن الصفقة.

لقد كانت صفقة الشراء الخيار البديل الذي تبنته الحكومة السعودية في تحويل ملكية هذه الشركة القابضة على الشريان الرئيسي للاقتصاد الوطني ، عوضاً عن التأمين ومصادرة أصول وحقوق الشركة، والذي اتبعته حكومات بعض البلدان العربية وبلدان اخرى في عمليات الاستيلاء على ملكية الشركات الأجنبية التي كانت مهيمنة على عمليات استخراج وتكرير البترول والمعادن الأخرى والأحجار الكريمة وغيرها من الثروات الوطنية ، ومتحكمة في كميات إنتاجها وأسعارها دون مراعاةللمصالح الوطنية لهذه البلدان.

وقد اثارت تلك الصفقة الكبيرة حين الاعلان عنها في ذلك الوقت كثيراً من اللغط والانتقادات لسريتها وعدم الإفصاح عن تفاصيلها، واعتبرها البعض تنازلاًمن فريق المفاوضات للشركات الأمريكية التي استنزفت جزءاً من ثروتنا الوطنية وراكمت أرباحاً طائلة من بيع نفطنا، مقارنة بما كان يدفع للحكومة السعودية من عوائد غير عادلة لسنوات عديدة .

ومع كل هذا فقد كان تحول ملكية هذه الشركة للحكومة السعودية خطوة تاريخية هامة لها تبعاتها الكبيرة على الدخل القومي ، بتحول أهم كيان أقتصادي في البلاد إلى شركة سعودية يديرها كوادر سعودية ويرأس جهازها التنفيذي مواطن سعودي، وتمتثل في رسم سياستها وصناعة قراراتها الاستراتيجية بما يمليه عليها مالكها «الحكومة السعودية» من توجيهات وأوامر نابعة من عقيدته السياسية وتحالفاته وعلاقاته الدولية .

لقد تمكنت الكوادر الوطنية من المضي بهذه الشركة قدماً الى الامام، والحفاظ عليها كأكبر شركة بترول في العالم لها وزنها ومكانتها المشهودة التي تجعل العاملين بها فخورين بمنجزاتها وتقدمها وقدرتها على مواجهة التحديات.

وبحكم حصة البترول السعودي الكبيرة في سوق الطاقة العالمي فأن أي تغييرات تحدث في هذه الشركة، أو تمس عملياتها الإنتاجية والتصديرية لا يقتصر تأثيرها فقط على آلاف العاملين في الشركة وعلى اسرهم ، وانما يتخطى ذلك الى كافة الشعب السعودي لارتباط مبيعات ارامكو الوثيق والحيوي بالدخل القومي السعودي والميزانية الحكومية السنوية.

إن الاعتماد شبه المطلق على عائدات البترول كمصدر وحيد للدخل الوطني، واقع لا يمكن الاستمرار فيه إلى الابد، والحاجة الى تنويع مصادر دخلنا الوطني قضية ملحة اليوم قبل الغد، وقد جاءات فكرة طرح نسبة من اسهم شركة ارامكو عبر أكتتاب عام كأحد السبل التي من خلالها يمكن الحصول على سيولة نقدية كبيرة، سيتيح توظيفها في مشاريع استثمارية جديدة تحقيق دخول اضافية من خارج سوق البترول، وهو ما سيسهم «وفقاً لرؤية 2030» في تنويع مصادر الدخل، ويضمن للحكومة مصادر مالية تغطي مصروفاتها.

لقد مررنا بمراحل عدة كي تكون ملكية الارامكو سعودية 100٪؜، وهو ما كان مصدر اعتزاز وفخر الشعب السعودي كافة لهذا الإنجاز .

إن تحول الشركة إلى شركة مساهمة عامة يعد انعطافة مصيرية في مسار الشركة لما سيحدثه من تغييرات في تركيبة ملكيتها، وما يفترض انه سيلزمها بالتزامات نابعة من أنظمة وشروط الحوكمة كشركة مساهمة عامة. ومن هذا المنطلق وجدنا اقتصاديين ومراقبين للأوضاع المالية والبترولية من رحب بهذا التوجه، ووجد فيها فرصة لتطوير لوائح وانظمة الشركة الداخلية بما يعزز من مكانتها كأكبر وأهم شركة سعودية وجوهرة التاج الاقتصادي السعودي. وقد جاءت نتائج الاكتتاب التي تم جزءً منه في الأسابيع الماضية لتؤكد مدى اهتمام السعوديين بمصير هذه الشركة وحرصهم على عدم التفريط في اغتنام فرصة المشاركة في ملكيتها.

أن الأمل يحذو السعوديين بعد انتهاء المرحلة الأولى من الاكتتاب، الذي حقق عوائد مالية مجزية، ان تسهم هذه العوائد في تأسيس وبناء قطاعات اقتصادية حديثة ومتطورة تكون قادرة على خلق فرص عمل جديدة لآلاف الشباب السعودي، وتمنحهم الفرصة للإسهام في تطوير الوطن وتأسيس مسارات تنموية جديدة تدفع بالبلاد نحو بناء اقتصاد وطني متعدد المصادر ينهي الاحادية الريعية ، ويدفع به نحو آفاق جديدة ينعم فيها كافة المواطنين بالحياة الكريمة المستندة على الأمن الوظيفي والرعاية الاجتماعية العادلة والاشتراك بفعالية غير مقيدة في تقرير الخيارات الأفضل لنهضة الوطن وتقدمه المطرد.



بكالوريوس في القانون الدولي، ودبلوم علوم مصرفية. مصرفي سابق، تولى عدة مناصب تنفيذية، آخرها المدير العام الإقليمي…