آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

عام على الغياب

زكي أبو السعود *

في مثل هذا اليوم من العام الماضي غادرنا لمثواه الأخير والدي الحاج منصور ابوالسعود، بعد معاناة مع المرض استمرت سنوات منذ تعرضه لجلطة دماغية أقعدته حبيساً في المنزل، ولكنها لم تمنع حضوره الحي البهي معنا.

كان دخوله المستشفى قبل أشهر من وفاته، بداية النهاية فقد كان وضعه الصحي في تراجع يوم تلو الآخر. وكنا نراقب ذلك ونحن عاجزون عن عمل أي شيئ يوقف هذا التراجع. وقد كانت الأيام الأخيرة من عمره بالغة الصعوبة على جميع أفراد أسرته خاصة ان التواصل بيننا وبينه قد انقطع تماماً، وحتى تفتيح العينين التي كنا نراها بين الحين والآخر قد توقفت. حتى جاء اليوم المحتوم الذي غادرت فيه روحه إلى باريها آمنة مطمئنة.

توفى والدي وهو في التسعين من عمره، وقد قضى سنوات عديدة من عمره كادحاً، لا يكل من العمل لتوفير مستلزمات العيش الضرورية لاسرته. لم يكن والدي متعلماً، وقد كان من الممكن ان يكون العكس، فقد كان المعلمون «جمع مَعْلَم» «أو الكتاتيب كما يطلق عليهم في بعض البلدان» متاحون في حي القلعة حيث تسكن العائلة، ومن المفترض انه لم يكن هناك عائق مالي يمنعه من إكمال تعليمه القرآني لدى واحد من هؤلاء المعلمين، فقد كان ينحدر من أسرة ميسورة، ولم يكن والده المرحوم الحاج احمد عاجزا عن دفع رسوم المَعْلَم خاصة انه كان ابنه البكر والوحيد. ربما كان غياب الأم «السيدة شريفة» التي توفيت عنه مبكرا في الأيام الأولى من بعد ولادته بسبب حمى النفاس، وترعرعه يتيماً دون أم، عاملاً في عدم حرص والده على انتظامه لدى احد المعلمين.

التحق والدي بشركة ارامكو في السنين الأولى من شبابه، ثم تركها ليجرب حظه في العمل الحر «تجارة الأقمشة النسائية» بالتعاون مع الوالدة، ولكنه لم يحالفه الحظ، فأضطر للعودة للعمل في ارامكو التي استمر يعمل فيها حتى بلوغه سن التقاعد. وبسبب عدم تعلمه كانت معظم الوظائف التي عمل بها وظائف بسيطة ودرجاتها الوظيفية متواضعة. وهو ما شكل عبئا عليه في مواجهة مستلزمات ومتطلبات أسرة ليست صغيرة. ولكن من جهة أخرى جعلته ينظر لتعليم أولاده وبناته كمسألة مصيرية وواجب لا يجوز التهاون أمامه ' لم يجبر أحداً منا على المذاكرة أو تدخل في كيفية تحقيق أفضل النتائج المدرسية، إلا أن تحفيزه لنا للمثابرة على التعلم وعدم التراخي في الالتزام والوفاء بما يطلب منا في المدرسة جاء من خلال الجو العام الذي انخلق في المنزل والسعادة التي تغمره حينما يأتي نهاية العام والجميع قد أتى بشهادته ناجحاً. والحمد لله اننا جميعا أولاده وبناته أكملنا تعليمنا الجامعي كما كان يتمنى. وقد جلب له ذلك سعادة كبيرة وجعله فخوراً ببناته كما كان فخوراً بأبنائه. وقد تجسد ذلك الفخر من خلال الثقة التي منحها لبناته وتركه لهن يقررن مصيرهن بأنفسهن دون تدخل أو وصاية منه، وهو الرجل البسيط غير المتعلم، الذي لم يكن يخفي ما يضمره في نفسه، ولا يتردد في إظهار مشاعره حينما يقتضي الأمر. ولكنه بالمقابل كان صبوراً لا يظهر ألمه أو معاناته بسهولة، وقد بان ذلك اثناء فترة مرضه في السنة الأخيرة من عمره، حيث لم يكن يشتكي الا في الحالات التي كان ألم رجله يبلغ درجة لا تطاق. ومع هذا كان يتحامل على نفسه ويقضي بعض من الوقت معنا خاصة في أماسي نهاية الأسبوع حيث يتجمع معظم أفراد أسرته من حوله.

الآن وبعد مرور عام على غيابه لا زالت لوعة فراقه جمرة يوقدهاالحنين لابتسامته وصوته الدافئ.

ستبقى ذكراك يا والدي حية في قلوبنا مهما مضت الأيام، فلروحك السلام والطمأنينة، ومثواك الجنة خالداًفيها مع الصالحين.

بكالوريوس في القانون الدولي، ودبلوم علوم مصرفية. مصرفي سابق، تولى عدة مناصب تنفيذية، آخرها المدير العام الإقليمي…