آخر تحديث: 27 / 2 / 2020م - 10:25 ص  بتوقيت مكة المكرمة

حركة نكوص التعاطف الإنساني

ليالي الفرج * صحيفة الرأي السعودي

في حياتنا، تسعى العملية التي يوظف فيها الإنسان عناصر النظام المعرفي لفهم السياق الاجتماعي، إلى التفاعل مع المحيطين بنجاح، وهذا ما يأتي تحت مفهوم تعزيز المعارف الاجتماعية «Social Cognition».

وتُعدّ القدرات الاجتماعية أحد المظاهر الأساسية للتوافق الاجتماعي، حيث تتجلى كثير من المفاهيم، مثل: الكفاءة الاجتماعية، واللياقة الاجتماعية، والتعاطف «Empathy» الذي تبرز الحاجة لمزيد من دراسته وتتبع أهميته في مدى استقرار المجتمعات الإنسانية.

ويأتي التعاطف كأحد المكونات الرئيسة للذكاء العاطفي، إذ هو قدرة الشخص على وضع نفسه في مكان الشخص الآخر ورؤية الأشياء من وجهة نظر الآخر، بمشاعر متوازنة ولياقة ماهرة.

لماذا لا يغيب عن محتوانا المشاعري مواقف طبيب متفاعل مع مريضه بأقصى درجات التعاطف، إلى درجة يغدو فيه التفاعل النفسي الإيجابية أحد موارد التشافي المؤثرة في علاج المريض، بينما تقف بعض الصور لطبيب آخر غير متمكن من توظيف مفردة واحدة من مفردات التعاطف، في عدم تحقق النتائج العلاجية المأمولة.

وأن ذات السيناريو قد يتكرر في سلوك معلّم أو معلّمة في مدرسة مع المتعلمين، فمن يبدون حرصًا وعناية بالإحساس بمواطن القوة والضعف لدى كل متعلّم، ويسعون لتعزيز قدرات المتميزين أو يعالجون بلطف مواقع الضعف لدى من يعاني من ذلك، يبقون علامات نجاح في حياة أولئك المتعلمين.

وهذا ينطبق على الجو الأسري المتعاطف مع بعضه، كما هو الحال بالنسبة للمجتمع ومدى تفاعله المتعاطف مع قضاياه المجتمعية وحجم مبادراته في توسيع مساحة تأثيره المتعاطف مع الحالات الإنسانية والاجتماعية.

بينما يشكل تراجع التعاطف، كقيمة اجتماعية وإنسانية سائدة، معول هدم، ودرب نكوص، وسيادة للأنا المتضخمة.

وفي دراسة تتبعت علاقة تنامي السلوك العدواني مقابل تراجع التعاطف، كانت النتائج تؤكد بأن اضطراب التعاطف لدى الجسد الاجتماعي، هو خلل بالغ الضرر، وطريق إلى زيادة السلوك العدواني عبر ميكانزمات الاضطراب أو الخلل في توفير بيئة متعاطفة.

وبينما يشير اضطراب التعاطف إلى اضطراب قدرة الفرد على قراءة انفعالات الآخرين والمشاركة في حالاتهم الانفعالية، فإنّ ذلك قد يتحول إلى مرحلة أكثر تعقيدًا من السلبية، إذ اضطراب التفاعل حينها يتحول إلى اضطراب النظام الانفعالي، وصنع انفعالات خالية من القدرة على فهم الآخرين، بلا ومؤدية إلى سوء فهم، وبالتالي احتمالية زيادة السلوك العدواني.

ولعلّ بعض ما تقذفه كاميرات السوشيال ميديا من تسجيلات لصور أو فيديوهات، تتضمن من المحتوى العدواني ضد طفل هنا أو امرأة هناك أو رجل مسنّ في موقع آخر الكثير، ورغم ما يستنكره القلب ويستقبحه العقل وترفضه الذائقة الإنسانية المشاهد، إلا أنّ الواقع يكشف عن تمادٍ ونكوص في كثير من المواقف الفاقدة للرشد والمشحونة بالتغوّل، ما يشيب له رأس الرضيع.

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.