آخر تحديث: 28 / 5 / 2020م - 11:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

وفاة محمد شحرور.. كافر/زنديق

كمال الدوخي *

مع اختلافي مع غالبية ما طرحه المفكر والباحث الدكتور محمد شحرور إلا أن ما طرحه شيئاً مختلفاً وقراءة جديدة بأساليب لغوية بعضها غير مسبوق في تفسير القرآن الكريم.

عندما اطلعت على نتاجه الفكري، سواء كتبهُ أو مقالاته التي تعيد وتؤكد على ما ذكره، استغربت عدم أخذ شخصية مثله مكانتها الطبيعية، على الرغم من اختلافي مع ما يطرحه. لكن وجدت فيما قاله فتحًا لا يمكن تجاوزه، دون الوقوف عنده بتأمل، لكنه وقع بين رفض الإسلاميين والحداثيين.

لم يسلم محمد شحرور من النقد قديماً وكُتبت في حقه وما طرحه المؤلفات إلا أن تلك الردود تبقى حبيسة دور النشر، فشحرور لم يأخذ حجمه الطبيعي إلا بعد أن اكتشفه السعوديون - أقولها ساخراً وواثقاً - عبر قناة روتانا، فشحرور وما قاله هو الكفر والزندقة بعينها برؤية من لم يعتد أن يقرأ الدين إلا وفق رؤية واحدة.

شحرور مهندس مدني وأستاذ جامعي، ودخوله المعترك الديني بهذه الثقافة وهذه القوة في البحث، يؤكد على أن مجتمعنا الشرق الأوسطي مجتمع يحمل ثقافة دينية من الصعب تحريرها منه حتى وإن حكم العلماني أو الليبرالي دول المنطقة، يبقى الفكر والبحث والنقاش على كافة مستويات المجتمع محوره الدين.

كان شحرور يدرك قيمة الدين المتجذرة في نفوس شعوب المنطقة، لذلك لم يضع جهده في إيجاد بدائل لمعضلة الدين بمحاولة تلوينه بألوان الحداثة أو إزالته تماماً وإحلال الحداثة كبديل كما فعل الكثير من مفكري العرب، بل وجد أننا نحتاج لتقديم قراءة معاصرة للنصوص الدينية دون المساس بقيمة الدين لدى الشعوب العربية والإسلامية.

استمر الدكتور محمد في البحث أكثر من عشرين عام، قدم بعدها خلاصة بحثه في مؤلفه «الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة» - صدر عام 1990م - والذي أثار جدل الإسلاميين، وبصيص أمل لدى الحداثيين بوجود قراءة أخرى للنص الديني، بخطاب تصالحي مع الآخر، والذي استطاع أن يوجد لغة مشتركة بين كافة أبناء الديانات في المنطقة من خلال تفسير شحرور، من هو المسلم ومن هو المؤمن؟، ليدخل كل من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً بعيداً عما يدين به من دين في رحاب الإسلام. أما المؤمن برأيه فهو كل من آمن برسالة نبي وبمنهجه والشعائر التي أتى بها كالرسالة المحمدية واليسوعية والموسوية، استعرض خلالها أدلته من القرآن الكريم.

ولعل هذا الخطاب التصالحي حظي بمقبولية لدى الحداثيين ولكن سرعان ما تحولت هذه المقبولية إلى رفض آخر بعد مشروعه الذي قدمه عام 1999م“ميثاق العمل الإسلامي”والذي يعتبر ميثاق للحركات الإسلامية ومبادئ إسلامية عامة للتصالح مع الآخر ولتقديم خطاب معاصر يتسق مع القرن الواحد والعشرين برؤية لا تتعارض مع أسس الإسلام.

وقع شحرور بين سندان الحداثة ومطرقة السلفية الدينية، ليبقى شحرور غير قادر على إيجاد من يدعم مشروعه، أو يعبر عنه، حتى حظي بقبلة الحياة من الإعلامي يحيى الأمير عبر قناة الروتانا.

ثار المجتمع السعودي برجال دينه على القناة وأهدافها بعرض أفكار الزندقة في شهر رمضان الكريم، ولعل مجتمعنا أقرب ما يكون إلى الله في هذا الشهر. فهو شهر يكون فيه المسلمون على استعداد نفسي لتمرير الأفكار والمواعظ المتطرفة أكثر منه للأفكار المتسامحة، فهو شهر غفران الذنوب. لذلك بمقدار أنه أخطأ التوقيت فقد أصابه؛ لينتج هذا الجدل الذي أعاد مشروع الدكتور محمد إلى الحياة.

فرق شحرور بين محمد النبي ومحمد الرسول، فهو يقول بأن أحكام القرآن هي باقية بما جاء به محمد الرسول، فالمحرمات أربعة عشر: الشرك بالله وعقوق الوالدين وقتل الأولاد خشية إملاق والاقتراب من الفواحش «الزنا واللواط والسفاح» وقتل النفس وأكل مال اليتيم والغش وشهادة الزور ونقض العهد وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير والاستقسام بالأزلام والإثم والبغي بغير حق والتقوّل على الله ونكاح المحارم والرّبا. وأما غيرها من المحرمات فهو خاضع لرأي وعرف واتفاق المجتمعات، وإن شرعها محمد النبي وليس محمد الرسول، فمحمد النبي يحرم وفق ما يصلح للزمان والمكان الذي عاصره، وقدم ما ينفع الناس وفق لرؤيته، وبهذا يجعل من السنة النبوية مجرد كتاب تاريخي. كما يرى أيضاً بأن القصص والأحداث التي يسردها القرآن هي مجرد قصص وأحداث لا يمكن أن يؤخذ منها تشريع لزماننا.

وقع شحرور في تناقض فهو يؤكد على أن القرآن مرجعيته لكنه عندما تعجزه اللغة عن إثبات الدليل أحال الأمر على العقل والمنطق، وهو ما يظهره في كثير من الأحيان بمظهر المتناقض أو المفلس، أو كما يراه القرضاوي وأراه بأنه صاحب دين جديد.

كما فرق بين القرآن والفرقان والكتاب بما لدى المسلمين من كتاب مقدس، فالقرآن هو الآيات والسور التي تحمل الغيبيات والنبوءات، وهي قسمين أحداث الطبيعة من خلق وموت وحياة وغيرها من أحداث طبيعية والتي تجري على كافة البشر، وأحداث تاريخية لم نعلمها لولا هذا السرد، مستدلاً بقوله «شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس»، فهو موجه لكل الناس من آمن به ومن لم يؤمن. أما الكتاب فهو موجه للمتقين لقوله «ذلك الكتب لاريب فيه هدى للمتقين» ومن هم المتقين برأي شحرور «الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون» أي أن هؤلاء المتقين يؤمنون بالغيب أي القرآن وكذلك يقيمون الصلاة ومما رزقوا ينفقون، وهاتان الأخيرتان من الكتاب وليس من القرآن، بينما الفرقان هي الوصايا العشر التي نزلت على موسى، وهذه التقسيمات التي اعتمدها الدكتور بناء على تفسير لغوي حذق، أعتقد بأنه أهم ما قدمه في مؤلفه «الكتاب والقرآن».

رحم الله الأستاذ والمفكر والباحث محمد شحرور، فقد أمتعنا بجليل ما طرحه وأثار العقول بقيمة ما قدمه، وفتح الآفاق لنقرأ ما بين أيدينا من كتاب وفرقان وقرآن - كما يحب أن يفرق - بقداسة وعصمة للنص الديني تجعلنا نعمل العقل والأدوات اللغوية والمعاني الواسعة للغة العربية، فرحمه الله بمقدار ما اتفقنا واختلفنا معه، فإن أخطأ فله حسنة ما تركه لنا من تراث بعد بحث استمر أكثر من خمسين عام، وإن أصاب فقد وفد على كريم بصير.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 3
1
Noor
[ القطيف ]: 23 / 12 / 2019م - 5:20 م
يبدو ان الكاتب غير متابع لسيرة الدكتور محمد شحرور رحمه الله واتمنى ان لايقحم نفسه في التحدث عن قامات واعلام كشحرور اذا كان غير ملمّ.. وليس من العدل وصم الاخر بالكفر والزندقة بمجرد اختلافك معه
2
صادق اسماعيل
[ الدمام ]: 26 / 12 / 2019م - 2:12 م
حقا أنة من أعلام المفكرين العرب القلائل ويوصف بهذا الوصف الشنيع بمجرد اختلف معك هذا هو التعصب الفكري. المرحوم قضى خمسون عاما او يزيد ما قضاه لا في خدمة التصحيح والتننقيح من رواسب التراث الديني لذا انصح الكاتب عدم القدح جزاها.
3
علي الناصر
[ الاجام ]: 28 / 12 / 2019م - 5:24 ص
الكاتب ينفي عن شحرور الكفر والزندقة المقال في وادي والردود في وادي