آخر تحديث: 25 / 2 / 2020م - 8:30 م  بتوقيت مكة المكرمة

«سلالم وأفاعي»

سلمى بوخمسين صحيفة الرأي السعودي

اقتربت صغيرتي وفرشت لوحها الكرتوني أمامي، مئة مربع بين أخضر وأبيض تتقاطع معها بعض السلالم والقليل من الأفاعي، ألقت بالنرد، رفعت حاجبيها وقالت بصوتها الطفولي الرقيق: نلعب! وافقت خاضعةً لسحر براءتها، وأجبت: نلعب.

أعوام طويلة جدًا مذ تحركت على مثل هذه المربعات للمرة الأخيرة، لعلي كنت في مثل عمر صغيرتي، مأخوذة بسحر النرد واحتمالاته العديدة التي إما أن تلقي بي على أعتاب سلمٍ جميل، فأرتقي، وإما أن تتلقفني الأفاعي الخبيثة فأهوى.

اليوم أشعر أني أفهم هذه اللعبة للمرة الأولى، فكم تشبه هذه المربعات حياتنا الواقعية، فمثل هذه اللعبة تمامًا لن تتجاوز أيامك دون تأثر بعوامل خارجية ترفعك أو تهوي بك، ستلتقي حتمًا بصنفين من البشر: سلالم وأفاعي، فالسلالم هم أولئك الذين يخلقون لك الفرص، يؤمنون بك، يدعمونك، يحبون لك الخير، يصورون لك النجاح سهلًا ويساعدونك لرسم خارطة الطريق فينقلونك من حيث أنت إلى أماكن ما كنت ببالغها دونهم أو على الأقل ليس بهذه السرعة.

في المقابل من المحتمل جدًا أن تلتقي بالأفاعي، أولئك الذين سيهدمون جهودك، يحفرون لك الحفر، يكيدون لك المكايد، أو فقط يثبطونك ويصورون لك النجاح كسراب ووهم بعيد المنال وبذلك لن تتعثر مسيرتك وتتأخر فقط بل لعلك تتقهقر وتخسر ما بذلت الجهود لتحصيله.

هناك أيضًا صنف ثالث لم تتمكن اللعبة من تجسيده، هم أفاعي تستخدمك كسلم، سرّاقو الجهد الذين لا يجدون أي مضاضة في نسبة جهودك لهم وتلقي الفضل بدلًا عنك بكل صدر رحب، فرغم كل ما تبذله تخرج من المولد بلا حمص لأن الحمص طبعًا تمت سرقته بنجاح، فتسلقوا على ظهرك بينما هويت أنت.

الفرق بين الواقع واللعبة - ولله الحمد - أنه ليس رهن النرد مجرد مجموعة احتمالات لا حول لك بها ولا قوة، بل أنت من تختار محيطك إلى حدٍ ما، فكما يقول المثل «الصاحب ساحب» و«جاور السعيد تسعد» تأكد أن أصحابك سلالم سيمنحونك كل الدعم والتشجيع الذي تحتاجه كي تنمو، واحذر من مرافقة الأفاعي الذين سيسرقون وقتك وجهدك وبريقك حتى تنطفئ تذبل وتخبو.