آخر تحديث: 28 / 9 / 2020م - 1:07 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الفنون والآداب وترقيق قلوب البشر

علي جعفر الشريمي * صحيفة الوطن

بمناسبة إعلان وزارة الثقافة إطلاق أول برنامج للابتعاث الثقافي في تاريخ السعودية، والذي يتيح فرصا تعليمية نوعية للطلاب والطالبات لدراسة التخصصات الثقافية والفنية، في أبرز الجامعات العالمية، كتخصص الآثار والتصميم والمتاحف والموسيقى والمسرح، وصناعة الأفلام والآداب والفنون البصرية، وفنون الطهو وغيرها، سأتحدث عن أهمية هذه التخصصات غير المقدرة حق تقديرها في مجتمعاتنا، ليس فقط على المستوى الإنساني، ولكن كذلك على المستوى العملي.

تشير الدراسات إلى أن كثيرا من الشركات في العالم، اليوم، تهتم بتوظيف خريجي العلوم الإنسانية والأدبية.

السؤال: ما سر الاهتمام بهذه التخصصات تحديدا؟ الجواب: لأن هناك حاجة ملحة لفهم سيكولوجية الآخر، والمبنية على الفهم والتعاطف الإنساني. فمثلا، شركة أوبر الأميركية المعروفة بنقل الركاب، أصبحت توظف خريجي العلوم الثقافية والفنية، وذلك لفهم نفسية الركاب غير السعداء. تعالوا معي إلى تخصص التاريخ، في الجامعات الأميركية فهي تضع التخصص رقم 10 من بين كل التخصصات، في الإقبال عليه.

وتوجد أقسام تاريخ، في كل الجامعات والكليات، بما فيها العلمية والتقنية البحتة. هذه الدراسات تؤكد أن هذه العلوم ستتصرف في البشر تماما كما تتصرف الحواسيب الإلكترونية، وستكون لها أهمية في العقود القادمة، مثل اللغات والفن والفلسفة والأخلاق والعلوم النفسية، وجميع البرامج التطويرية في الجانب الإنساني، إذ ستكون مهمة وجوهرية في إدارة كل الحلول.

مجلة فوربس نشرت - قبل أيام - مقالة تخصصية تشير إلى أن أهم المهارات التي يتعلمها خريجو العلوم الإنسانية والفنية، هي مهارة التعاطف، والتي تعرف بأنها «القدرة على فهم احتياجات ورغبات مجموعة متنوعة من الناس».

وتذكر كذلك أن هناك مهارات مهمة أخرى في سوق العمل لخريجي المجال الإنساني إضافة إلى المهارة المذكورة، أهمها مهارات الإبداع وحب المعرفة.

قد يقول أحدهم، إن مثل هذه التخصصات موجودة حتى وإن لم تكن مفردة ومستقلة، فيمكن تعلمها من تخصصات أخرى.

نعم، ولكن ليست مكثفة وعميقة كمقررات مستقلة، مثل مجال دراسات العلوم الإنسانية الموجودة في المدارس والجامعات في الدول المتقدمة، فمثل هذه العلوم تدفع بالطلاب والطالبات إلى التركيز على التفكير النقدي، جنبا إلى جنب مع التأمل والسلام الداخلي والتسامح.

اليوم، في مراكز الأبحاث يتحدثون عن علاقة الطب بالتأمل، فكلمتا «طب» medicine و«تأمل» meditation، هما من جذر التشافي الجسدي والروحي.

هم يناقشون الآن ضرورة تعامل الطب الغربي مع الإنسان ككائن كامل، وأن الإنسان لا يحتاج فقط إلى معالجة العضو المريض فيه، بل يحتاج معالجة جذور المرض الذي من الممكن غالبا ألا يكون عضويا، بدليل أن مرض السرطان اليوم هو داء جديد لا يوجد في المجتمعات البدائية، فنوبات الغضب - مثلا - التي كان يكبحها هذا الإنسان، ستظهر على هيئة أمراض عضوية، ولذلك اليوم أصبحت تقنية التأمل من أهم التقنيات التي يتم تدريبها لمعرفة جذور المرض.

أخير أقول، دراسة الأدب والفنون والعلوم الإنسانية لا تقدم فقط مهارات إنسانية، بل تخلق من الفرد إنسانا أفضل، رقيق القلب، وتجعل من الإنسان أكثر تراحما وأكثر تسامحا وأقل عنصرية، فنادرا ما نرى موسيقيّا عظيما أو كاتبا مبدعا، يكون عنصريّا، أو أصولي الأفكار والنزعات.