آخر تحديث: 7 / 4 / 2020م - 3:15 ص  بتوقيت مكة المكرمة

ذوبان المصداقية

المهندس أمير الصالح *

البعض يعبث بالمفاهيم الجميلة ويذيب المصداقية عن نفسه لعدم توافق أفعاله وما يردده من أقوال وتصريحات ترن في أسماع المحيطين به. نعلم جميعا بأن كل إنسان له اعتداد بنفسه واهتمام بأن يدعي الصفات الجميلة إلى نفسه كالشجاعة والتقوى والوفاء وحسن الجيرة و... و... الخ. وهناك من الناس من تتكشف مع الأيام تطابق الادعاء مع الأقوال في حق ذاته، وهناك من مع الأيام تتكشف التناقضات فيه. وحتى الأفعال والوفاء بالالتزامات البسيطة كالالتزام بالمواعيد بالدقة لها وقعها في النفوس وانعكاس في المصداقية.

ولعل من يتدارس مع نفسه بعين البصيرة والتأمل يصل إلى غربلة المحيط البشري والاجتماعي بدرجة أوضح ممن يعيش بالمجاملات الصفراء ويلغي دور عقله النقدي والمقارن والواقعي. وهناك درجات متفاوتة من ذوبان المصداقية بناء على درجة التأثير الاجتماعي أو المكانة المغطاة له في نفوس الناس. فقد تكون درجة الذوبان لا تتعدى التملص من التزام بعد إطلاق والترويج لدعوة محددة أو التخلي عن الوفاء من أحد الأطراف نحو الأطراف الأخرى في نشاط او إيفاء ايجار او انشغال ذمة مالية معينة او تعاهد عمل مشترك او إيصال رسالة محددة. وقد يكون الذوبان للمصداقية بدرجة أعمق من ذاك لما لها من تدحرجات كبيرة وابعاد زمنية بعيدة المدى.

فعلى سبيل المثال كم من خطيب يتحدث عن الزهد والدعوة لمجالسة الفقراء والتقوى وتراه فعليا لا يجالس الا اصحاب رؤوس الأموال واصحاب الولائم الفخمة!. و كم من مدير مالي يتكلم عن النزاهة ونظافة الذمة المالية وفعليلا تتكشف مع الايام تورطه في رشاوي واختلاسات وتلاعب بالتقارير من أجل مصالح نفسه. و كم من مدير عام في شركة قطاع عام يتكلم عن الالتزام بوقت الدوام والانجاز و الموضوعية وعدم العنصرية وتتكشف مع الايام انه كان منعدم الانضباط ومتدني الأخلاق ومنحاز و عنصري حتى النخاع ومناطقي حتى الثمالة.

وكم من منتحل صفة صديق تتكشف الأقنعة مع الأيام فتبطل كل ادعاءاته بحسن الوفاء والمساندة والمكاشفة. وكم من علماني مدعي العلمانية فتراه مع أي حدث يلغي كل المفاهيم التي يدعيها ويصطف مع ابناء قبيلته ولا يتورع ان يكيل السباب للاخرين ويصفهم بما ليس فيهم ليشوه سمعتهم وينفر الناس منهم!! وكم من مدعي التدين ومع اقل نقاش أو نقد فكري لا يجيد أبحاثه يرمي الاخرين بالفسق ولا يتورع ان يتهمهم بما ليس فيهم ليلطخ ويشوه سمعتهم!

قد يكون ما هو اكثر من الامثلة السابقة في مدونة كل واحد من القراء الكرام ولكن ساكتفي بذلك.

في بداية ايام اي علاقة إنسانية نظيفة، الجميع يحسن الظن بالجميع وفي المبدأ ان الناس صادقين بأقوالهم حتى يتبين عكس ذلك. المصداقية تترسخ اقدامها مع الأيام وتقلب الاحوال وحسن الثبات من مدعيها على المبادئ والقيم الرفيعة. اما الادعاء فهناك عدد ليس بالقليل من البشر ”يدعي“ زورا وبهتانا بصفات جميلة ينسبونها لانفسهم وافعالهم تنم عن انهم يفتقدونها.

من الجيد ان يطور الانسان ملكة المحاسبة لنفسه لتكون درجة مصداقيته اعلى ولكلماته وقع فعلي اكبر في النفوس المحيطة به. فالزهد والوفاء والتقوى والشجاعة والكرم والمؤازرة وحسن الصداقة والعلم والثقافة واحترام الآخرين وحب الحرية و... و.. صفات جميلة والكل يدعي بها وصالا. الا انه واقعيا نرى أشخاص يتجرأون كذبا وزورا بإسباغ صفات حميدة على أنفسهم وهم افقر الناس فيها. فمن أرخص الناس قيمة في نفسه وفي اعين العقلاء واهل البصيرة هو ذاك الشخص الذي:

”يدعي جميل صفات ليست فيه ومنتحلا افعال أشخاص ذوي مقام عال هو يبغضهم او يكيل العداء لهم من اجل إرضاء أناس هو لا يحبهم و لا يحبونه أو يتملقون له حظوة في ماله او جاهه“